الحرب التي أُطلقت ضد إيران في 28 فبراير 2026 أعادت إلى الواجهة حقيقة استراتيجية قديمة لكنها غالبًا ما تُهمَل: القوة العسكرية الحديثة لا تُقاس أولًا بأطنان القنابل، بل بالقدرة على الرؤية والاختراق والتنبؤ والشلّ. لقد كانت الضربات «الحركية» (طيران، صواريخ، مسيّرات) مجرد الطبقة المرئية من صراعٍ حُسمت أفضليته الحاسمة في الاستخبارات والبيانات والتغلغل والحرب السيبرانية.
بالنسبة للجزائر، لا يكمن التحدي في “نسخ” نماذج خارجية، ولا في ملاحقة اكتفاء ذاتي كامل وغير واقعي؛ بل في استيعاب درس بنيوي: الاعتماد التكنولوجي ثغرة سيادية، وكل بنية رقمية مستوردة (مستشعرات، شبكات، برمجيات، سحابة، أجهزة طرفية، إنترنت الأشياء) هي، من حيث المبدأ، سطح هجوم محتمل.
1) حرب «هجينة»: معركة اللحظة الحاسمة
أظهرت الساعات الأولى من النزاع تكاملًا وثيقًا بين ضربات قطع الرأس (استهداف القيادة)، وعمليات تفكيك القدرة على التنظيم (الاتصالات)، وأعمالٍ سيبرانية ترمي إلى تقليص قدرة الخصم على الرد. وتشير عدة قراءات إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة هجينة لا تكون فيها الحملة تدميرية فحسب، بل أساسًا تعطيلية: فصل الخصم عن شبكاته، وإرباك تدفقات المعلومات، وعزل مراكز اتخاذ القرار.
ضمن هذا المنطق، لا تتجسد «الانتصارات» في تدمير المنصات (قواعد، مخازن، بطاريات) فحسب، بل في امتلاك ما يسميه العسكريون التفوق القراري: اتخاذ القرار أسرع بناءً على بيانات أدق، مع جعل بيانات الخصم ملتبسة أو غير قابلة للاستغلال. وتؤكد التقييمات المرتبطة بتوظيف السيبراني في حملة 2026 تحديدًا هذا المعنى: السيبراني كمساحة عمليات رئيسية لا كملحق ثانوي.
2) جوهر البرهان: الدولة «الشفافة» تصبح دولةً هشّة
من أكثر الوقائع دلالة ما نُقل عن استغلال البنى الحضرية—وخاصة شبكات الكاميرات—لإنتاج استخبارات من نوع “نمط الحياة” (Pattern-of-life)، وهي مفيدة في الاستهداف. إذ تصف روايات إعلامية، بالاستناد إلى تحقيق في فايننشال تايمز، كيف تمكّن فاعلون إسرائيليون من اختراق شبكة كاميرات المرور في طهران على مدى سنوات لبناء معرفة بالعادات والمسارات وروتين الحماية المحيط بكبار المسؤولين.
المغزى يتجاوز الحالة الإيرانية: كل مدينة “ذكية” هي مدينة “مستشعرات”، وكل مستشعر غير مُتحكَّم فيه يصبح نافذة. وعندما تتوقف سلامة الأمن القومي على سرية التحركات والاتصالات وأنماط الحماية، فالسؤال ليس «هل لدينا كاميرات؟»، بل من يسيطر على السلسلة كاملة: العتاد، والبرمجيات الثابتة (Firmware)، والشبكة، والتخزين، والتحليلات، والصيانة، والتحديثات؟
3) سلسلة الإمداد كحقل معركة: مثال حزب الله (2024)
السابقة المرتبطة بانفجارات أجهزة النداء (Pagers) وأجهزة اللاسلكي (Walkie-talkies) في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024 (نُسبت في تقارير عديدة إلى إسرائيل دون اعترافٍ شامل) تكشف بوضوح بعدًا محوريًا آخر: الحرب تتسلل إلى سلسلة التوريد. هنا لم تعد الأداة صاروخًا، بل جهازًا يوميًا جرى التلاعب به في المنبع ثم تفعيله عن بعد. وقد أدان خبراء أمميون (ضمن OHCHR) هذه الهجمات، مشيرين إلى طابعها المحتمل غير التمييزي وتداعياتها القانونية، ومؤكدين حجم الإصابات وأثر الرعب الذي خلّفته.
جيوسياسيًا، الدرس قاسٍ: الاستيراد ليس محايدًا. إنه يولّد اعتمادًا يمكن قلبه إلى تخريب، أو تجسس، أو إكراه. وبعبارة أخرى، في عالم سلاسل إمداد مُعولمة، لا تقف الأمننة عند الحدود: إنها تبدأ من طلب الشراء، والمورّد، والعبور، والـFirmware، والتحديث، والدعم الفني.
4) تصنيع التجسس على نطاق واسع: «بيغاسوس» كعرضٍ لنظام تكنولوجي
فضيحة بيغاسوس (2021)—وما رافقها من جدل—تظل مثالًا تعليميًا على الصلة العضوية بين التكنولوجيا والاستخبارات والاصطفافات الجيوسياسية. فقد تحدثت تحقيقات صحفية وتحليلات عن كون أرقامًا في الجزائر ضمن قائمة أهداف محتملة مرتبطة بعمليات مراقبة، مع اتهامات وُجهت للمغرب؛ بينما نفى الرباط تلك الاتهامات ورفع دعاوى قضائية.
لكن بعيدًا عن الجدل حول المسؤوليات، جوهر المسألة في مكان آخر: الأدوات الاختراقية تتسع دائرة انتشارها، وتصبح الحدود بين صناعة التكنولوجيا وصناعة الأمن أكثر ضبابية. وأسواق المراقبة السيبرانية تُنظَّم عمليًا عبر موازين القوة، ورخص التصدير، والتحالفات، وأنظمة الاعتماد. وبالنسبة للجزائر، يعني ذلك أن الخيار التكنولوجي نادرًا ما يكون «تقنيًا» فقط: إنه اختيار استراتيجي قد يصنع رافعة ضغط أو منفذ وصول أو قدرة إضرار.
5) الحدس الجزائري تجاه «المستشعرات الحضرية»: رد فعل سيادي
في النقاش الجزائري، يُستشهد كثيرًا بمثال الحذر من كاميرات المراقبة الطرقية وإشارات المرور “الذكية”. وتذكر مصادر صحفية أن مشروع تنظيم المرور في الجزائر العاصمة تعثّر، جزئيًا، بسبب مسائل تتعلق بالألياف البصرية وبقواعد تشغيل كاميرات المراقبة المرتبطة بالإشارات الضوئية.
وبغض النظر عن الجدل، فإن الدرس الاستراتيجي واضح: الأشياء المتصلة في البيئة الحضرية (المرور، الإنارة، الأمن، النقل) تُشكّل جهازًا عصبيًا؛ وإذا صُمم هذا الجهاز أو صين أو شُغِّل في إطار اعتماد خارجي، فقد يتحول إلى بنية تعرّض وانكشاف. وفي 2026، تُظهر روايات طهران تحديدًا كيف يمكن لشبكة أُنشئت لمراقبة المجتمع أن تُستغل ضد الدولة.
6) الدرس الأول للجزائر: السيادة لم تعد عسكرية فقط، بل معلوماتية
تؤكد حرب 2026 صعود عقيدة “الحرب عبر النظام”: شل الخصم عبر ضرب شبكاته وثقته الداخلية واتصالاته وقدرته على التنسيق وخدماته. وتشير تحليلات مرتبطة بالبُعد السيبراني للأزمة إلى هجمات طالت منصات رقمية وخدمات حكومية واضطرابات واسعة في الاتصال، ما يوحي بأن المعلومات أصبحت هدفًا استراتيجيًا بقدر ما هو مستودع ذخيرة.
بالنسبة للجزائر، يفرض ذلك إعادة تموضع عقائدي: السيادة تُحسم في القدرة على التحكم في الطبقات الحرجة (الشبكات، التشفير، الهويات، الأنظمة الصناعية، سحابة سيادية)، وتشغيل بدائل احتياطية، والحفاظ على استمرارية الدولة. فالدول التي لا تملك زمام معمارياتها الرقمية قد تكتشف، في قلب الأزمة، أن مستشعراتها وشبكاتها تحولت إلى منافذ اختراق.
7) الدرس الثاني: الاعتماد التكنولوجي هو اعتماد سياسي
لذلك ينبغي للجزائر أن تفكر في تنويع المصادر لا كخيار اقتصادي فحسب، بل كـتأمين استراتيجي: تعدد الموردين، معماريات معيارية قابلة للاستبدال، قدرة على التعويض السريع، وتدقيق دائم للمكونات الحساسة. وينطبق ذلك على العسكري (C4ISR) كما على المدني (الاتصالات، الطاقة، النقل، التكنولوجيا المالية).
8) الدرس الثالث: بناء «مرونة وطنية» (وليس قدرات هجومية فقط)
تعزز حرب 2026 فكرة أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على التحمل: الاستمرار في العمل رغم الاضطراب، حماية القرار، إبقاء الخدمات الأساسية، ومنع الفوضى المعلوماتية. وتشير تقارير حول البعد السيبراني للأزمة إلى خطر امتداد الأثر إلى الطاقة والمال وتقنية المعلومات والبنى التحتية الحرجة خارج ساحة المعركة ذاتها.
وبالنسبة للجزائر، يترجم ذلك إلى أولويات عملية:
- تحصين البنى التحتية الحرجة (الطاقة، المياه، الاتصالات، الموانئ، المطارات) عبر التقسيم الشبكي، ومراكز المراقبة الأمنية (SOC)، وتمارين إدارة الأزمات؛
- نظافة سلسلة التوريد (تدقيقات، تتبع، شهادات اعتماد، اختبارات عتاد/Firmware)؛
- مكافحة الاختراق/التغلغل: التحكم في أنظمة المراقبة الداخلية، تقليل الانكشافات، وإجراءات أمنية لحماية كبار المسؤولين (pattern-of-life).
9) استراتيجية واقعية للجزائر: «استقلالية حرجة» لا اكتفاء ذاتيًا كاملًا
سيكون من الوهم استهداف اكتفاء ذاتي شامل في تقنيات متقدمة. الهدف الواقعي هو استقلالية حرجة: امتلاك ما هو حيوي، تقليص الاعتماد في ما هو حساس، وتنويع ما يمكن استبداله. وتُظهر تحليلات الحرب السيبرانية في 2026 أن الهشاشة تنبع بقدر ما تنبع من العيوب التقنية من الاعتمادات البنيوية.
ويتطلب ذلك بناء منظومة: تكوين، وبحث وتطوير، وحوافز صناعية، وشراكات انتقائية، وتعبئة الكفاءات (وخاصة من الجالية) لتسريع امتلاك المهارات. لأن المورد الحاسم هنا هو الإنسان: مهندسو أمن، مختصو تشفير، علماء بيانات، خبراء أنظمة صناعية، ومتخصصو أمن سلاسل التوريد.
الخلاصة: الجزائر أمام معادلة قوة جديدة
لقد كشفت الحرب ضد إيران أن التفوق العسكري الحديث يقوم على ثلاثية: البيانات – الشبكات – الثقة. فلا تكون الضربات فعّالة إلا إذا استندت إلى عمق استخباري، وتغلغل تقني، وقدرة على شل الخصم داخل أنظمته. وتوضح روايات استغلال المستشعرات الحضرية في طهران ودمج السيبراني في حملة 2026 تحوّلًا عميقًا: الدولة المتصلة تصبح دولة مكشوفة إذا لم تكن سيادية تقنيًا.
وعليه، فإن درس الجزائر على أعلى مستوى هو التالي: الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين غير قابل للفصل عن السيادة التكنولوجية. ليست ترفًا ولا شعارًا، بل شرط بقاء استراتيجي في عالم تتبدل فيه التحالفات، وتُعسكَر فيه سلاسل التوريد، وتبدأ فيه الحرب قبل القنبلة الأولى—منذ الاعتماد الأول.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق