التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تبون–بولس: اتصال بروتوكولي… بدلالات استراتيجية

تلقّى الرئيس عبد المجيد تبون اتصال تهنئة بعيد الفطر من مسعد بولس، المستشار البارز لدى الرئيس الأميركي، جرى خلاله التطرق إلى العلاقات الثنائية و«تطورات الأوضاع الدولية». وبعيدًا عن الطابع الاحتفالي، تأتي هذه المحادثة في لحظة إعادة تشكيل سريعة لموازين القوى، فيما تعيد واشنطن تقييم خياراتها في الشرق الأوسط. وتُقرأ هوية المتصل بحد ذاتها كإشارة: فبولس، الذي تكرّس دوره مستشارًا رفيعًا في الملفات العربية والشرق أوسطية (ثم الأفريقية)، يمثل قناة وصول مباشرة إلى دائرة القرار في البيت الأبيض.

سياق متصلّب: حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران وخطر التمدّد

منذ 28 فبراير/شباط 2026، دشّنت الضربات المشتركة الأميركية–الإسرائيلية مرحلة عالية الكثافة ضد إيران، مع ردود إيرانية واسعة على أهداف في إسرائيل ولبنان ودول خليجية. تتزامن المواجهة العسكرية مع تصاعد المخاطر على البنى التحتية الطاقوية الإقليمية، وارتباك في سلاسل الإمداد، وارتفاع حاد في علاوات المخاطر البحرية، ما يضع مضيق هرمز في صلب حسابات الأمن الاقتصادي العالمي.


واشنطن بين إظهار القوة والبحث عن مخرج

الرسائل الأميركية العلنية تبدو متأرجحة: تصريحات رافضة لوقف إطلاق النار مقابل تلميحات إلى الاقتراب من تحقيق الأهداف وإمكانية «خفض الوتيرة» – وهو إيقاع مزدوج مألوف في استراتيجيات الإكراه التي تبحث عن مخرج تفاوضي. بالتوازي، تكثّف عواصم خليجية جهودها لإرساء مسارات تهدئة وللنأي بنفسها عن الانخراط المباشر، فيما تضغط دوائر في واشنطن نحو تحييد أعمق لقدرات إيران الهجومية لمنع ابتزاز متكرر للممرات الطاقوية. هذا التوتر بين «المخرج الدبلوماسي» و«الحد الأقصى العسكري» يشكّل خلفية أي رسالة تُوجَّه إلى الجزائر.


لماذا تحظى الجزائر بأهمية خاصة؟ الاستقلالية الاستراتيجية، رأسمال الوساطة، والمصداقية المعيارية

ترتكز العقيدة الجزائرية على مبادئ السيادة وعدم التدخل والحل السلمي للنزاعات، ما يمنح الجزائر قدرة وسيطة فريدة بين أقطاب متنافرين. ويعزِّز هذه القدرة إرثٌ تاريخي معتبر، في مقدمته اتفاقات الجزائر (1981) التي أنهت أزمة الرهائن بين واشنطن وطهران – وهو سابقة تُغذّي رصيد الثقة لدى الطرفين. كما راكمت الجزائر خبرة متينة في مساعي التوفيق الأفريقية والعربية، من إثيوبيا–إريتريا إلى مالي وصولاً إلى المصالحة الفلسطينية، ضمن مقاربة متسقة مع تمسكها بالتعددية واحترام الشرعية الدولية.


حول شائعة الـMINURSO: التمييز بين الوقائع والتكهنات

في خضم الضجيج الإعلامي، طرح بعض المعلقين مثل منار السليمي ادعاءات غير موثقة حول إنهاء مهام بعثة المينورسو في الصحراء الغربية. حتى الآن، لا يوجد قرار أممي معلن بإنهاء البعثة، وقد جدد مجلس الأمن ولايتها حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، فيما تواصل البعثة نشاطها المؤسسي. يمكن تفهّم النقاشات الفكرية حول جدوى المهمة أو تكييف ولايتها، لكن تحويل النقاش إلى خبرٍ عن «انسحاب وشيك» يظل ضربًا من الاستباق غير المستند إلى قرارات.


ثلاثة مسارات تقارب فورية بين الجزائر والولايات المتحدة

  1. قناة تهدئة وضمانات متبادلة.
    تستطيع الجزائر إتاحة مسار تسهيلي نظيف لمحادثات استكشافية غير مباشرة، بصيغة «رسائل تقنية» تتناول إزالة التضارب الجوي، وضبط الاستهداف للبنى الطاقوية، ونافذات توقف عملياتي محدودة زمنيًا. سيكون هذا المسار مكمِّلًا لجهود الوسطاء الخليجيين، لا بديلًا عنها، مع أفضلية جزائرية تتمثل في استقلالية القرار وخِبرة إدارة الملفات الحساسة بعيدًا عن التسييس المفرط.

  2. أمن الطاقة وممر هرمز.
    تفرض هشاشة مسارات الإمداد فصل الأهداف العسكرية عن الأضرار الاقتصادية النظامية. هنا يمكن للجزائر، بالتنسيق مع شركاء أوروبيين، الدفع نحو خلية تنسيق للطاقة تُعنى بالشفافية التشغيلية، وإعادة توجيه الشحنات، وإدارة المخاطر، بما يخفف صدمات الأسعار ويُبقي خطوط الإمداد مفتوحة بقدر الممكن.

  3. هندسة أمنية شاملة لمرحلة ما بعد الأزمة.
    أظهرت الحرب كلفةً سياسية على عواصم خليجية واقعة بين المطرقة الإيرانية وسندان الإسناد الأميركي. وتحتّم هذه المعادلة العمل على بنية أمنية أقل ثنائية وأكثر تضمينًا لآليات إنذار مبكر، وشفافية تسليحية، وضمانات متبادلة. تمتلك الجزائر، بما راكمته من مسافة محسوبة عن الأحلاف وصلابة متعددة الأطراف، مقوّمات الإسهام في صياغة هذا الإطار.


كيف تُقرأ الإشارة من زاوية واشنطن؟ بروتوكول، اختبار، و«خيار الجزائر»

يمكن تفكيك اتصال بولس بالرئيس تبون إلى ثلاث حركات:

  • بروتوكولية: احترام إيقاع التهاني في لحظة دينية حساسة؛
  • تشخيصية: التقاط القراءة الجزائرية لأزمة تتسع أطرافها وتتجاوز المشرق؛
  • استطلاعية: جسّ نبض ما قد يقدمه المسار الجزائري إن احتاجت واشنطن إلى مخرج بلا خسارة ماء الوجه.
    تُعزّز تصريحات أميركية متباينة – تجمع بين الوعيد والتلميح إلى «خفض الوتيرة» – فرضية إدارة الأزمة عبر سلة خيارات مع إبقاء منفذ دبلوماسي مفتوح.


خلاصة: «النافذة الجزائرية»

لا يخلق اتصال تبون–بولس وساطةً جزائرية من عدم؛ إنما يعيد تفعيل إمكانية راسخة في الحمض النووي للدبلوماسية الجزائرية. لقد حوّلت الحرب مركز الثقل نحو الخليج والممرات الطاقوية، لكنها أبقت مساحة لفاعلين موثوقين يجمعون بين السيادة، والتعددية، والبراغماتية. بهذا المعنى، تستطيع الجزائر أن تصبح مُخاطَبًا لا غنى عنه – شرط الحفاظ على مسافتها الاستقلالية، وربط أوروبا بمقتضيات أمن الطاقة، وتحويل رأس مال الوساطة إلى نتائج ملموسة ولو محدودة، لأن ما يُقاس يُستدام.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...