هناك لحظات في التاريخ لا تقبل التأويل ولا تترك مجالًا للالتباس.
يناير 1994 كان إحداها.
لم يكن مجرد منعطف سياسي، بل لحظة كاشفة، عرّت الرجال ووَزَنَتهم بميزان المسؤولية.
من جهة، رجل اشتهاها السلطة حتى الإدمان، لكنه عجز عن حمل أثقالها.
ومن جهة أخرى، رجل لم يسعَ إليها، لكنه امتلك شجاعة التضحية حين ناداه الوطن.
بين ديسمبر 1993 ويناير 1994، وبينما كان المجلس الأعلى للدولة يلفظ أنفاسه الأخيرة، تحركت المؤسسة العسكرية بحثًا عن مخرج لبلد يغرق في الدم والنار.
كان الخيار الأول عبد العزيز بوتفليقة.
وهنا بدأ مشهد يُشبه العبث السياسي أكثر مما يشبه إنقاذ دولة.
لم يتعامل مع اللحظة كواجب وطني، بل كمساومة شخصية.
طلب كل شيء:
سلطة مطلقة بلا قيود، دون نائب أو شريك.
فرض طريقة تنصيبه، واشترط الضمانات، وسعى لأن يكون فوق الجميع.
والأغرب أن كل مطالبه قوبلت بالقبول.
لم يُرفض له شرط واحد.
كان يعتقد أن ساعة الثأر قد دقّت.
منذ رحيل هواري بومدين وهو يحمل مرارة الإقصاء، ويتوق إلى لحظة يرى فيها المؤسسة العسكرية تنحني له.
ويومها… حدث ما أراد.
لكن عند الامتحان الحقيقي، سقط القناع.
فخلف الطموح لم تكن هناك شجاعة،
وخلف الغرور لم تكن هناك صلابة،
وخلف رجل السلطة لم يكن هناك رجل دولة.
في 22 يناير 1994، وجد نفسه أسير شروطه هو.
فارتبك.
وتراجع.
وبحث عن مخرج.
لجأ إلى الشريف بلقاسم طالبًا حيلة تُنقذه من مأزق صنعه بيده.
وكان الرد ساخرًا، حادًا، كاشفًا لفراغ اللحظة وعبثيتها.
ثم جاءت الكلمة الفاصلة.
أمام بلقاسم واليمين زروال، انهارت المسرحية.
لم يعد تفاوضًا ولا حسابات.
بل انسحابًا صريحًا، وانكسارًا كاملًا:
« لا أريد أن أمارس السياسة بعد الآن… »
عشر دقائق فقط كانت كافية لانهيار طموح بُني على سنوات من الانتظار.
وهنا، ظهرت الحقيقة عارية.
بينما كان أحدهما يفرّ من التاريخ، كان الآخر يُستدعى إليه.
بينما كان أحدهما يتوارى، كان الآخر يستجمع قواه.
بينما كان أحدهما يهرب من المسؤولية، كان الآخر يقبل مواجهتها.
بعد فشل خيار بوتفليقة، اتجهت الأنظار إلى اليمين زروال.
لم يطلب شيئًا،
لم يساوم،
بل رفض في البداية… لا خوفًا، بل إدراكًا لهول المسؤولية.
وأمام إلحاح الجنرالات، ومن بينهم خالد نزار، طلب لحظة.
انسحب وحده…
وبكى.
نعم، بكى.
لم تكن دموع ضعف،
بل دموع رجل أدرك أنه لا يُمنح سلطة،
بل يُحمَّل أمانة بحجم وطن.
عاد، وقد حسم أمره.
وقال ببساطة تختصر العظمة:
« أوافق. »
في تلك اللحظة، ارتدى ثوب رئيس الدولة.
لا كمنتصر، بل كجندي.
لا كطالب حكم، بل كحامل عبء.
وهنا تتجلى الهوّة.
رجل أراد الحكم… ففرّ منه.
ورجل لم يطلبه… فتحمّله.
الجبان والشجاع.
الطامع والوطني.
رجل السلطة… ورجل الدولة.
إن يناير 1994 ليس مجرد محطة في التاريخ،
بل حكم قاسٍ يُصدره الزمن حين يضع الرجال أمام مسؤولياتهم الحقيقية.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق