التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرار لجنة الاستئناف في الكاف: بين الخلل القانوني وخطر الانزلاق المؤسسي

 إنّ قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) القاضي بسحب الفوز من السنغال ومنح لقب كأس إفريقيا للأمم للمغرب على البساط، يبدو — في ضوء مبادئ الشرعية الرياضية — قرارًا غير مشروع، غير مُؤسَّس، ومآله الإلغاء الحتمي أمام المحكمة الرياضية الدولية (TAS).

فهو لا يرقى إلى مجرّد خطأ في التقدير، بل ينطوي على خطأ بيّن في التكييف القانوني ويمسّ بأبسط القواعد الناظمة لقانون الرياضة، بما يفتح الباب أمام سابقة مقلقة تهدد مصداقية كرة القدم الإفريقية وأمنها القانوني.

1) سند الكاف: نصٌّ يُساء استعماله

لتسويغ هذا القرار، استندت الكاف إلى الفصل 35 من لوائحها المعنون بـ “الانسحابات”، وبوجهٍ خاص إلى المادتين 82 و84. وهذه الأحكام تنظّم حالات الانسحاب من المباراة وما يترتب عليها من آثار جسيمة، في مقدمتها الخسارة بالانسحاب (Forfait).

غير أن تطبيق هذه النصوص ليس مطلقًا ولا مرنًا، بل تحكمه شروط ضيقة ومتراكبة، أهمها:

  • أن يكون الانسحاب نهائيًا لا لبس فيه،
  • وأن يقع قبل نهاية المباراة بحيث يمنع إتمامها،
  • وأن يثبته الحكم عبر رفض صريح وواضح لاستئناف اللعب، لا مجرد احتجاج أو ارتباك عابر.


2) موطن الخلل: خلطٌ بين “توقّف مؤقت” و“انسحاب نهائي”

في الواقعة محل النزاع، لا تتحقق أي من هذه الشروط وفقًا لما عرضتم.
وبيت الداء هنا هو أن الكاف ساوت بين توقف مؤقت للعب وبين انسحاب نهائي، بينما الفرق بينهما في القانون الرياضي فرقٌ جوهري لا يحتمل التأويل الفضفاض.

فالانسحاب يعني إرادة جماعية واضحة لا رجعة فيها بعدم مواصلة المباراة.
أما التوقف — حتى إن حمل طابع احتجاج — فلا يُنتج تلقائيًا أثر “الانسحاب”، ولا يبرر إعدام نتيجة تحققت داخل مباراة استكملت أركانها.

والوقائع، كما تُعرض، واضحة في دلالتها:
قد يكون بعض اللاعبين غادروا الملعب مؤقتًا احتجاجًا، لكن ليس الجميع. والأهم: عاد اللاعبون، واستؤنفت المباراة، وانتهت بصورة طبيعية. والسنغال فازت على أرض الميدان.
قانونيًا، نحن أمام سلوك قد يُكيف كخطأ انضباطي يستوجب عقوبة تأديبية — لا أمام انسحاب بالمعنى التنظيمي الذي يقلب نتيجة المباراة.


3) عنصر الحسم: الحكم لم يثبت رفضًا نهائيًا… بل أمر باستئناف اللعب

ثمّة حقيقة قانونية تقطع الطريق على أي تأويل متعسف:
الحكم لم يثبت وجود رفض نهائي لاستكمال المباراة كما تتطلبه لوائح “الانسحاب”. بل على العكس، أمر باستئناف اللقاء، وهو ما يعني أن شروط متابعة اللعب كانت قائمة، وأن المباراة — في تقديره كسلطة ميدانية — لم تفقد مشروعيتها.

وفي قانون كرة القدم المؤطر بقواعد اللعبة وبمنطق الفيفا، الحكم هو سيّد الملعب، وقراراته ليست تفاصيل هامشية، بل تُنتج أثرًا قانونيًا مباشرًا:
فإذا اعتبر الحكم المباراة قابلة للاستكمال وأعادها إلى مسارها الطبيعي، فمن الصعب — قانونًا — إعادة توصيفها لاحقًا بأنها “انسحاب”.


4) اجتهاد TAS: الانسحاب لا يثبت بالشك… والنتيجة الميدانية لها حرمة

يتماشى هذا التحليل مع الخطّ الاجتهادي المستقر للمحكمة الرياضية الدولية، والذي يقرر — من حيث المبدأ — أن توصيف “الانسحاب” وما يتبعه من خسارة إدارية لا يُقبل إلا بوجود عناصر متلازمة، أبرزها:

  • رفض صريح لمواصلة اللعب،
  • عدم العودة إلى أرض الملعب،
  • استحالة نهائية لاستكمال المباراة.

فإذا تخلّف أحد هذه العناصر، امتنع قانونًا الحديث عن “انسحاب” بالمعنى الصحيح.
وفي هذه الواقعة، لا يوجد رفض نهائي، ولا يوجد عدم عودة، ولا توجد استحالة استكمال. بل العكس تمامًا: عودة، استكمال، نهاية طبيعية، ونتيجة ميدانية.

ولهذا تتمسك TAS بمبدأ بالغ الأهمية: حماية نتيجة الملعب، وعدم السماح بتأويلات لاحقة تُستخدم لإعادة كتابة مباراة انتهت قانونًا وواقعيًا.


5) أثر الاستئناف والنهاية: “تطهير قانوني” للحادثة

الأحداث اللاحقة لا تُعد تفصيلاً ثانوياً؛ بل تنتج أثرًا قانونيًا حاسمًا:
استئناف المباراة وإتمامها حتى النهاية يضع الواقعة داخل إطار “مباراة صحيحة”، ويجعل أي محاولة لمحو نتيجتها على أساس تكييف متنازع عليه ارتدادًا غير مبرر على ما استقر فعليًا وحقوقيًا.

بعبارة أخرى: حين تُلعب المباراة وتُستكمل، يصبح من العسير قانونًا “إعدامها” لاحقًا دون سند قاطع وظروف استثنائية.


6) تناقض الكاف: من عقوبات انضباطية إلى نسف النتيجة… قفزة لا يبررها القانون

يزداد القرار إشكالاً إذا صحّ أن الكاف كانت قد تعاملت بداية مع الواقعة عبر عقوبات انضباطية متناسبة (إيقافات، غرامات… إلخ). فذلك يعني ضمنيًا أنها اعتبرت الأمر مخالفة تأديبية داخل مباراة صحيحة.

ثم العودة لاحقًا لتحويل الفوز إلى خسارة إدارية هو تناقضٌ بيّن:
إذ لا يستقيم أن تُعامل الواقعة مرة كخطأ داخل مباراة صحيحة، ثم تُعاد صياغتها لاحقًا كـ“انسحاب” ينسف المباراة من جذورها.


7) سابقة مقلقة: ضرب استقرار النتائج وفتح باب الفوضى القانونية

الخطورة هنا لا تقتصر على لقبٍ أو منتخب، بل تمتد إلى جوهر النظام الرياضي القاري:
فالخسارة بالانسحاب تُستخدم تقليديًا عندما لا تُلعب المباراة أو لا يمكن إتمامها. أما إعادة توصيف مباراة مكتملة ومُعتمدة من الحكم على أنها “انسحاب” فتمثل شذوذًا قانونيًا يصطدم مباشرة بمبدأ استقرار النتائج الرياضية.

وهذه سابقة — إن تُركت دون تصحيح — ستفتح الباب لتسييل مفهوم النتيجة، وإشاعة عدم اليقين، وتغذية الشكوك حول حوكمة المؤسسة القارية.


خاتمة: ليست قضية لقب… بل قضية شرعية وثقة

في المحصلة، نحن أمام قرار يحمل سمات الغرابة القانونية ويمسّ بصلب العدالة الرياضية.
فمحاولة شطب نتيجة تحققت على أرض الملعب عبر تكييف قانوني قابل للطعن لا تهدد منتخبًا بعينه فحسب، بل تهدد ثقة القارة في مؤسساتها.

ولهذا، تبدو المحكمة الرياضية الدولية أمام خيارٍ واحد منطقي في ضوء مبادئ القانون الرياضي:
نقض قرار الكاف، وردّ الاعتبار لنتيجة الملعب، وحصر المساءلة — إن وجدت — في إطارها الصحيح: التأديبي لا الإعدامي.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...