في العلاقات بين الدول، لا تكون تعيينات السفراء واستدعاؤهم مجرد إجراءات إدارية روتينية. فهي في جوهرها أدواتٌ للتواصل السياسي، وعلاماتٌ كاشفة عن الحالة الفعلية للعلاقات الثنائية، كثيرًا ما تكون أبلغ تعبيرًا من التصريحات الرسمية. وفي هذا الإطار بالذات ينبغي قراءة المعلومة التي نشرتها مجلة “جون أفريك”، والقاضية بأن سفير فرنسا في الجزائر، ستيفان روماتيه، بات على وشك استئناف مهامه في الجزائر العاصمة.
وإن كانت هذه المعلومة، المنسوبة إلى مصدر مجهول، لا تزال بعيدة عن التأكيد الرسمي، فإن أبعادها الرمزية والاستراتيجية تستوجب تحليلًا معمّقًا. إذ تأتي في لحظة يشهد فيها النظام الدولي إعادة هيكلة عميقة، وتقف فيها العلاقات الفرنسية-الجزائرية عند مفترق طرق حاسم بين القطيعة والتطبيع.
علاقة ثنائية تعاني هشاشةً بنيوية
لاستيعاب الدلالة الحقيقية لهذه العودة المحتملة، لا بد من إعادة تأطير العلاقات الفرنسية-الجزائرية في سياقها التاريخي العميق وديناميكياتها الراهنة. فمنذ سنوات، تتأرجح هذه العلاقات بين مراحل تقارب خجول وأزمات مفتوحة، تغذيها خلافات تمس الأسس الهوياتية لكلا البلدين: ملف الذاكرة التاريخية، وإشكاليات الهجرة، والمصالح الطاقوية، وأخيرًا تباين المواقف إزاء الصراعات الإقليمية.
ويُعدّ استدعاء السفير — أو غيابه المطوّل — من أكثر أدوات الدبلوماسية الضاغطة كلاسيكيةً. فهو يعني دون لبس تدهور العلاقات، دون بلوغ عتبة القطيعة الرسمية. ومن هذا المنظور، فإن احتمال عودة ستيفان روماتيه إلى منصبه، إن تأكد، سيتجاوز مجرد استئناف للتمثيل الدبلوماسي الاعتيادي؛ إذ سيُجسّد إرادةً سياسية صريحة بالتهدئة من كلا العاصمتين.
وتبدو زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر يومي السادس عشر والسابع عشر من فبراير الماضي، بأثر رجعي، قناةً تشغيليةً لهذا الحوار الهادئ. وإن الاعتماد على وزير الداخلية — لا وزير الخارجية — لنقل هذه الرسالة يكشف عن الطابع الخاص لقناة التواصل المختارة: قناة براغماتية وأمنية، بعيدة عن صرامة بروتوكولات الدبلوماسية الرسمية. وهو بالضبط النوع من القنوات الذي يُتيح في العلاقات الصعبة استطلاع نوايا الطرف الآخر دون إقحام المسؤولية السياسية للحكومتين في الفضاء العام.
ثقل العامل الإعلامي في تشكّل الأزمات الثنائية
من أكثر المحددات الهيكلية تأثيرًا — وأقلها تحليلًا — في الأزمة الفرنسية-الجزائرية: الدور الذي تضطلع به بعض الفاعلين الإعلاميين الفرنسيين. فمنذ أشهر، تتصاعد في أوساط نافذة من المشهد الإعلامي الفرنسي حملةٌ معادية للجزائر، يقودها أصحاب مؤسسات إعلامية تتقاطع مصالحهم الاقتصادية والأيديولوجية في تبنّي خط تحريري يُسائل الجزائر باستمرار ويستهدفها.
وتُجسّد هذه الظاهرة واقعًا كثيرًا ما يُغفله تحليل العلاقات الدولية: لم تعد دبلوماسية الدول تعمل في فضاء حكومي صرف. فهي باتت مُكبَّلة بفعل أطراف من غير الدول — من رجال أعمال، وتكتلات ضغط إعلامية، وشبكات نفوذ — يحكمها أجندات لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الوطنية المدروسة.
في الحالة الفرنسية-الجزائرية، يُفرز هذا التدخل الإعلامي مفارقةً لافتة: بينما يبدو الطرفان الحكوميان ساعيَين إلى إيجاد مخرج من الأزمة، يواصل قطاع من الفضاء الإعلامي الفرنسي تأجيج مناخ العداء، مما يُعقّد مساعي التطبيع ويُعيقها. وهذا الانفصام بين الخطاب السياسي الرسمي ونبرة الإعلام السائد يُشكّل أحد أعقد الخصائص في الديناميكية الثنائية الراهنة، وأحد أكثر العقبات البنيوية صعوبةً في تجاوزها.
الجزائر في منظومة دولية تُعيد تشكيل نفسها
في ما يتجاوز البُعد الثنائي، ينبغي قراءة العودة المحتملة للسفير الفرنسي في ضوء التحولات العميقة التي تطال هندسة النظام الدولي. فالحرب في الشرق الأوسط، ولا سيما التصعيد العسكري حول إيران، قد أفضت إلى تسارع في عمليات إعادة الهيكلة الجيوسياسية التي تُعيد توزيع التحالفات وتُعرّف من جديد المصالح الاستراتيجية للدول.
في هذا السياق، شرعت قوى أوروبية عدة في التمايز جزئيًا عن التوجه الأمريكي. وقد أكد إيمانويل ماكرون بإصرار أن فرنسا لن تنخرط فيما يعتبره انزياحًا نحو العسكرة ينتهك مبادئ القانون الدولي. وذهب بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية، أبعد من ذلك، إذ نادى علنًا بإصلاح شامل للمؤسسات متعددة الأطراف، وفي مقدمتها إلغاء حق النقض في مجلس الأمن الدولي.
وهذا الموقف الأخير يستحق وقفةً خاصة: فالمطالبة بإلغاء حق النقض هي مطلب تدافع عنه الجزائر منذ أمد بعيد، انطلاقًا من رؤيتها لحوكمة عالمية أكثر إنصافًا وتمثيلًا. وأن يتبنّى قادة أوروبيون اليوم هذا المطلب يُشير إلى تقارع موضوعي في الأجندات، يُهيّئ الشروط لإعادة تموضع استراتيجي للجزائر على المسرح الدولي.
الجزائر: قوة صاعدة في نظام عالمي متحوّل
تمتلك الجزائر، بموضوعية، جملةً من المقومات التي تمنحها مكانةً متميزة في المشهد الجيوسياسي الجديد الآخذ في التشكّل. فمواردها الطاقوية الضخمة — ولا سيما الغاز الطبيعي — تجعل منها فاعلًا لا غنى عنه لأوروبا الساعية إلى تنويع مصادر إمدادها، في ظل مشهد طاقوي عالمي تتزعزع فيه التوازنات التقليدية. أما ثقلها الدبلوماسي في إفريقيا والعالم العربي، المستند إلى موروث راسخ من عدم الانحياز وخطاب سيادي متسق، فيمنحها مصداقيةً واسعة لدى دول الجنوب العالمي الرافضة للاختيار بين الكتل المتشكّلة.
وموقعها الجغرافي، عند ملتقى إفريقيا جنوب الصحراء والحوض المتوسطي والشرق الأوسط، يجعل منها عقدةً استراتيجية محوريةً في مسارات الهجرة والأمن والتجارة. يُضاف إلى ذلك تاريخها الفريد — المُنسم بكفاح تحرري ذي صدى رمزي قوي في بلدان الجنوب الكثيرة — الذي يمنحها شرعيةً أدبيةً في النقاشات المتعلقة بالسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وهذا التضافر من العوامل تحديدًا هو ما يفسّر الاهتمام الأوروبي المتجدد، والفرنسي خصوصًا، بإعادة بناء الروابط مع الجزائر. ففي عالم تتهاوى فيه يقينيات النظام ما بعد الحرب الباردة تباعًا، تمثّل الجزائر شريكًا استراتيجيًا لا تستطيع أي عاصمة أوروبية تُولي اهتمامًا حقيقيًا بمصالحها بعيدة المدى أن تسمح لنفسها بالاستغناء عنه.
خاتمة: دبلوماسية الإشارات الخافتة
إن العودة المحتملة للسفير الفرنسي إلى الجزائر هي، في ذاتها، حدثٌ محدود الأثر على الصعيد البروتوكولي. لكنها حين تُوضع في سياقها الكامل — أزمة العلاقات الثنائية، وإعادة هيكلة النظام الدولي، وإعادة تموضع القوى الأوروبية، وصعود الجزائر بوصفها فاعلًا استراتيجيًا — تكتسب دلالةً أعمق وأوسع بكثير.
وهي تُجسّد حقيقةً راسخة في الجيوسياسة المعاصرة: في عالم تتهيأ فيه التحولات الكبرى في صمت دور الدبلوماسية قبل أن تفرض نفسها في ضجيج الأزمات، كثيرًا ما تكون الإشارات الأكثر خفوتًا — سفيرٌ يعود إلى منصبه، وزيارةٌ وزارية هادئة، وتصريحٌ صيغ بعناية — هي المُنذِرة بأعمق التحولات وأبعدها أثرًا.
وللجزائر ولفرنسا، كلتيهما، أسبابٌ موضوعية تدفعهما إلى تجاوز خلافاتهما. لم يعد السؤال ما إذا كانتا ترغبان في ذلك، بل هل تمتلكان هامش المناورة السياسي الداخلي اللازم لترجمة هذه الإرادة إلى واقع دائم ومستدام. وتلك هي الرهان الحقيقي الكامن وراء عودة سفير مُعلَنة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق