تعيش إيران اليوم لحظة شديدة التعقيد، لا تُقاس فقط بما تتعرّض له من ضربات عسكرية مباشرة أو تهديدات خارجية، بل بما تكشفه تلك التطورات من هشاشة أمنية داخلية واتساع رقعة الاختراقات التي تضرب قلب مؤسساتها الحساسة. فقد أصبح الحديث عن “التغلغل الاستخباراتي” موضوعًا مركزيًا في تقييم الوضع الإيراني، بعد سلسلة عمليات استهدفت شخصيات سياسية ودينية وعسكرية بارزة داخل البلاد، وسط تقديرات تفيد بأن جهات غربية وإسرائيلية نجحت في بناء شبكات عمل داخلية نشطة قادرة على الوصول إلى مواقع شديدة الحساسية.
تصاعد الضربات وتحوّل في لغة الرسائل السياسية
مع تكثّف الضربات على مواقع داخل طهران ومدن أخرى، تزامن ذلك مع خطاب تصعيدي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقدّم الهجمات بوصفها خطوة “ضرورية” لمنع إيران من توسيع نفوذها الإقليمي أو امتلاك أدوات تهديد استراتيجي. غير أنّ المتابعين يرون أن ما يجري يتجاوز حدود الردع التقليدي، ليقترب من مسار سياسي موازٍ، قوامه إضعاف النظام الإيراني من الداخل، وتهيئة مناخ يسمح بطرح بدائل سياسية، بما في ذلك استعادة نموذج الحكم الملكي عبر شخصية رضا بهلوي نجل آخر شاه لإيران.
خلفية تاريخية: درس الثورة الأولى
التحوّلات الراهنة تُذكّر بمرحلة أواخر السبعينيات، حين شكّل وصول آية الله الخميني—الذي احتضنته فرنسا في منفاه—نقطة مفصلية غيّرت مسار المنطقة بأكملها. آنذاك أخطأ الغرب في حساباته حين تعامل مع الحركة الثورية بوصفها “فرصة” لقيام نظام أكثر قابلية للتعامل السياسي، قبل أن تتّضح لاحقًا مدى ضخامة التحوّل الذي قادته الثورة الإسلامية. اليوم، تشير القراءة التحليلية إلى أن بعض العواصم الغربية تراهن على عكس هذا المسار: أي إعادة إنتاج سلطة سياسية أكثر قربًا من مصالحها.
حروب الشرق الأوسط كخريطة لإعادة الترتيب
ضمن هذا السياق، تُقرأ أحداث العقود الماضية من حرب الثمانينيات بين العراق وإيران، وصولاً إلى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كسلسلة من الحروب التي ساهمت في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. ووفق هذا المنظور، ترى بعض الدوائر الغربية أن اللحظة الحالية قد تمثل فرصة لـ“إغلاق صفحة” النظام القائم في طهران، والدفع نحو سلطة “أكثر قابلية للتفاهم”.
تأثير ردود الفعل الإقليمية: عزلة متزايدة
التحركات الإيرانية الأخيرة، خصوصًا استهداف دول عربية مجاورة ردًا على احتضانها لقواعد أمريكية، أدت إلى توتير علاقاتها مع عدد من العواصم الخليجية. فهذه الدول حاولت في السنوات الماضية تجنّب التصادم المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها اليوم تجد نفسها على خط النار نتيجة خيارات إيرانية اعتُبرت استفزازية. ويدفع ذلك إلى مزيد من العزلة السياسية لإيران في محيطها الإقليمي.
العالم يراقب: انتقادات أوروبية وتحفّظات واسعة
على نحو لافت، جاءت بعض الانتقادات من دول أوروبية، لا سيما في النرويج، حيث أعرب مسؤولون عن رفضهم للأسلوب الأحادي الذي اتُّخذت به القرارات الأمريكية والإسرائيلية. كما عبّرت باريس ولندن عن استيائهما من عدم إبلاغهما مسبقًا بالعمليات، رغم أن هذه الانتقادات اتسمت بكونها اعتراضات شكلية مرتبطة بمسألة التنسيق، أكثر من كونها دفاعًا عن إيران أو تبنيًا لموقفها.
حصار جيوسياسي مفتوح
في المحصلة، تجد إيران نفسها وسط تقاطعات جيوسياسية مضطربة:
- صراع نفوذ بين قوى إقليمية ودولية.
- عمليات استخباراتية متزايدة تُضعف ثقة النظام ببُناه الداخلية.
- تصعيد عسكري قد ينفتح على مراحل جديدة غير محسوبة.
- وجبهة دبلوماسية باتت أقل تعاطفًا وأكثر انتقادًا.
الإجابة لن تعتمد على ميدان واحد—لا العسكري وحده، ولا الاستخباراتي، ولا الدبلوماسي—بل على تفاعل المجالات الثلاثة معًا في معركة صامتة تُعيد رسم مستقبل إيران والمنطقة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق