في موسمٍ يُفترض أن تُصفّى فيه النوايا كما تُصفّى الأرواح، يطفو على السطح خطابٌ لا علاقة له بالحقائق بقدر ما له علاقة بإدارة الانتباه. مع اقتراب رمضان، اختارت بعض المنابر في المغرب أن تُطلق حملةً تُصوِّر التمور الجزائرية وكأنها “خطرٌ داهم” على الموائد، عبر اتهامات فضفاضة عن مبيدات ومواد كيميائية ومياه عادمة—من دون تحاليل منشورة، ولا تقارير مخبرية، ولا منهجية فحص يمكن الرجوع إليها.
والمفارقة أن هذه الضجة لا تأتي في فراغ، بل تتزامن مع ضغطٍ متزايد على المنتجات الزراعية المغربية في الأسواق الأوروبية، حيث تتكرر الإشعارات والتحذيرات عند الحدود بسبب تجاوزات في متبقيات المبيدات أو تلوثات ميكروبيولوجية ضمن نظام الإنذار الأوروبي السريع للغذاء والأعلاف (RASFF).
1) محاكمة بلا أدلة: حين يُستبدَل المختبر بالميكروفون
لغة الحملة ضد التمور الجزائرية ليست لغة علوم غذاء، بل لغة “تأثير”. يُستدعى “شهود” من السوق، تُلتقط تصريحات مُنتقاة، ثم تُقدَّم للناس كأنها حقائق. في مثل هذه المواد الإعلامية، لا نرى أرقاماً ولا سلاسل تحليل ولا مرجعيات مخبرية، بل نرى بنيةً سردية تقوم على الإيحاء: “يُقال”، “يعتقد البعض”، “ربما”… ثم تُزرع الفكرة في رأس المستهلك كأنها يقين.
والأشد عبثاً أن الهدف المختار—التمر الجزائري—ليس سلعةً عابرة كي تُسقَط سمعتها بفقرة تلفزيونية. السمعة الزراعية لا تُبنى في يوم، ولا تُهدم في يوم: تُبنى عبر أسواقٍ وتجاربٍ وثقةٍ متراكمة. لذلك تبدو الحملة أقرب إلى مسرحٍ سياسي منها إلى “نصيحة صحية”.
2) أثرٌ تجاري محدود: المغرب ليس سوقاً حاسماً للجزائر
هذا بالضبط ما يفضح الغاية: عندما يكون الأثر الاقتصادي محدوداً، غالباً ما يكون الأثر الدعائي هو المقصود—إشغال الرأي العام بقضية “مستوردة” بدل مواجهة أسئلة محلية أكثر إحراجاً.
3) السبب الحقيقي للضجيج: صرف الأنظار عن إنذارات أوروبا
وفي الفترة نفسها، صدرت إشعارات في هولندا عن تلوث توت العُلّيق (framboises) بنوروفيروس، وهو تلوث ميكروبي يُعامل في أنظمة الإنذار كخطر جدي على السلامة الغذائية.
وليس هذا جديداً تماماً: حتى داخل الإعلام المغربي ظهرت قراءات تُقرّ بتكرر تنبيهات RASFF المرتبطة بمنتجات مغربية، وتناقش أثرها على صورة الصادرات.
هنا يصبح مفهوم “الدخان” مفهوماً: بدل أن يُفتح نقاش داخلي حول سلاسل التتبع والرقابة المخبرية وتدبير المبيدات، يُصنع موضوع بديل: “الخطر يأتي من تمر الجزائر”.
4) أوروبا تشدّد المعايير: مساحة الخطأ تضيق
الضغط الأوروبي لا يتوقف عند الحجز الحدودي؛ إنه جزء من تحوّل تنظيمي أوسع. الاتحاد الأوروبي خفّض حدود المتبقيات (LMR) لعدد من المواد، ورفع وتيرة برامج الرقابة، وأصبح قادراً على الكشف عند مستويات أدق، ما يعني أن أي خلل في الممارسات الزراعية أو التتبع قد يتحول سريعاً إلى رفضٍ لشحنة كاملة.
لهذا، فإن كل حملة دعائية لا تغيّر المعادلة: السوق الأوروبية لا تُقنعها “السرديات”، بل تُقنعها تقارير التحليل ومطابقة المعايير. ومع تضييق الهوامش، يتضاعف ثمن الارتجال، ويزداد الإغراء بتحويل النقاش إلى “عدو خارجي” بدل إصلاح الداخل.
5) المبيدات “المحرّمة في أوروبا” والمسموح بها خارجها: مفارقة تتكرر
تتغذّى أزمة التوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي أيضاً من فجوة معروفة: مواد تُقيَّد أو تُمنع في أوروبا لأسباب صحية/بيئية، لكنها قد تستمر في التداول في أسواق أخرى. وقد تطرقت تقارير وتحقيقات إلى تدفق كميات كبيرة من مبيدات لا يسمح بها الاتحاد الأوروبي نحو دول منها المغرب، بما يعقد مسألة المطابقة عندما تكون أوروبا هي الوجهة الأساسية للصادرات.
النتيجة بسيطة: كلما زادت الفجوة بين “ما يُستعمل” و“ما تسمح به أوروبا”، ارتفعت احتمالات الإنذارات والرفض. وفي هذه الحالة، يصبح تحويل بوصلة الخوف نحو منتجٍ جزائري حلاً نفسياً للرأي العام، لكنه لا يحل مشكلة التوافق عملياً.
6) ملف الأسمدة: بين “السمّية” و“الإشعاع” وضرورة التمييز العلمي
ضمن اللعبة نفسها، يُستدعى أحياناً موضوع الأسمدة الفوسفاتية المغربية بعبارات فضفاضة مثل “أسمدة مُشعّة”. والحقيقة العلمية أكثر تركيباً:
أ) الجدل الأوروبي الأبرز: الكادميوم (معدن ثقيل)
في فرنسا وأوروبا، تركز النقاش الشعبي والإعلامي كثيراً على الكادميوم المرتبط بتراكمه في التربة وانتقاله إلى السلسلة الغذائية، وقد أعادت برامج استقصائية في 2025 إشعال الموضوع في الرأي العام.
ومن الناحية التنظيمية، يضع القرار الأوروبي 2019/1009 إطاراً للأسمدة التي تحمل وسم CE، ويُشير إلى سقفٍ موحّد للكادميوم في بعض منتجات الأسمدة الفوسفاتية (60 mg/kg P2O5)، مع نقاشات أوروبية حول التشديد التدريجي تاريخياً/سياسياً.
في المقابل، نشرت وسائل إعلام مغربية مواد تؤكد أن الأسمدة المصدّرة إلى الاتحاد الأوروبي أصبحت—وفق روايتها—أقل من 20 mg/kg P2O5 منذ 2025، أي دون الحد الأوروبي وبما يتماشى مع توصيات أكثر صرامة تُذكر في النقاش.
ب) الإشعاع الطبيعي في الفوسفات: حقيقة علمية لا تصلح كشعار
علمياً، الصخور الفوسفاتية قد تحتوي على نويدات مشعة طبيعية (سلاسل اليورانيوم/الثوريوم والبوتاسيوم-40)، وتختلف مستوياتها حسب الجيولوجيا. توجد دراسات مغربية ودولية قامت بـقياسات طيفية وتوصيف إشعاعي للصخور الفوسفاتية والفوسفوجبس وبعض المنتجات، مع تقدير مؤشرات المخاطر بحسب المادة والسياق البيئي.
كما تناولت أعمال أخرى قياسات في الهواء والماء بمناطق فوسفاتية بالمغرب وخلصت إلى أن المستويات المرصودة عموماً ضمن نطاقات تُقارن بما يوجد في أماكن أخرى، مع التأكيد على أهمية الاحتياطات والتدبير البيئي خاصةً حول المخلفات الصناعية.
الخلاصة: استخدام كلمة “مشع” كسلاح دعائي يُسطّح الموضوع. القصة الحقيقية هي إدارة المخاطر بالعلم والمعايير—لا بالهتاف.
7) لماذا تُهاجَم تمور الجزائر؟ لأن الخوف أسهل من الإصلاح
هنا تتضح عبثية الهجوم على التمر الجزائري:
- لأنه يستهدف منتجاً ذا سمعةٍ لا تُهدم بالضجيج.
- ولأن السوق المغربي—اقتصادياً—ليس مفصلاً يغيّر وزن الصادرات الجزائرية جذرياً، ما يجعل أثر الحملة محدوداً.
- ولأن الهدف الأرجح هو تبديل موضوع النقاش داخل المغرب من سؤال “لماذا تُرفَض شحناتنا؟” إلى “احذروا تمر الآخرين!”.
وبالنتيجة، تصبح الرسالة الضمنية قاسية على المواطن المغربي نفسه: بدل أن تُوضع معايير شفافة لحمايته من أي خطرٍ محتمل في المنتجات المحلية، يُقدَّم له “خصمٌ خارجي” ليشغل موقع السؤال الحقيقي.
خاتمة: الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج
في النهاية، التمر الجزائري سيبقى تمراً تُعرّفه التجربة قبل الخطابات، وتُثبته الأسواق قبل الحملات. أما المعركة الحقيقية، فهي حيث ينبغي أن تكون: في جودة الإنتاج، وصرامة الرقابة، وحق المستهلك—أيّاً كان—في غذاءٍ آمن، بعيداً عن توظيف الخوف كأداة سياسية.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق