التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيران: الردع المتبادل، والمأزق الاستراتيجي، وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي

إن الانسحاب الجزئي للسفن الحربية الأميركية من الخليج العربي فُسّر، في الخطابات السائدة، على أنه مجرد تعديل تكتيكي أو قرار ظرفي يدخل في نطاق الإدارة الروتينية للانتشارات العسكرية. إلا أن قراءة أكثر عمقًا للديناميات الاستراتيجية الإقليمية تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا بكثير. فقد لعب الوجود المتزامن للسفن الروسية والصينية المشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع إيران دورًا حاسمًا في هذا القرار، إذ منح إدارة ترامب مخرجًا استراتيجيًا في مواجهة مأزق عسكري وسياسي متصاعد.

مأزق استراتيجي أميركي أمام إيران

بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) واعتمادها استراتيجية "الضغط الأقصى"، كثّفت واشنطن إشاراتها القسرية تجاه طهران:
توسيع العقوبات الاقتصادية، تعزيز الوجود العسكري في الخليج، وتصعيد الخطاب العدائي.
غير أن هذه التصعيدات اللفظية لم تتحول أبدًا إلى خيار عسكري ذي مصداقية أو قابل للاستمرار.

فالضربة المباشرة ضد إيران كانت ستقود شبه حتمًا إلى صراع طويل، يتجاوز بكثير إطار عملية عقابية محدودة. القدرات الصاروخية الإيرانية، عمقها الاستراتيجي، شبكة حلفائها الإقليمية، وتحكمها في الممرات البحرية الحساسة — خصوصًا مضيق هرمز — كانت تجعل أي مواجهة عالية المخاطر.

إلى ذلك، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة سياسيًا أو اجتماعيًا لحرب طويلة، مكلفة وغير مضمونة النتائج — لا بشريًا ولا ماليًا.

وهكذا وجدت إدارة ترامب نفسها في تناقض استراتيجي كلاسيكي: خطاب متصاعد بلا نية حقيقية — ولا قدرة — على تحمل تبعات التصعيد العسكري.

الردع الروسي–الصيني المتقاطع كعامل استقرار

في هذا السياق، جاء وجود سفن روسية وصينية إلى جانب إيران في مناورات مشتركة.
بعيدًا عن قيمتها العملياتية المباشرة، أدخلت هذه المناورات عنصرًا فعالًا من الردع المتقاطع.
فأي عمل عسكري أميركي كان ينطوي على احتمال — ولو غير مباشر — للتورط مع قوى نووية كبرى.

إمكانية حدوث احتكاك أو خطأ أو انزلاق غير محسوب مع وحدات روسية أو صينية قلّصت بشكل كبير هامش المناورة لدى واشنطن.
ورغم عدم وجود تحالف عسكري رسمي، فإن هذا التنسيق كان كافيًا لتغيير المعادلة الاستراتيجية الإقليمية، عبر رفع الكلفة السياسية والدبلوماسية لأي ضربة أميركية محتملة.

لقد أصبح الردع قائمًا ليس فقط على التهديد المباشر، بل على تعقيد حسابات الخصم — وهو آلية مألوفة في نظريات الردع غير المباشر الحديثة.

الانسحاب البحري كذريعة لتهدئة الموقف

أمام هذا الوضع، استغل دونالد ترامب فرصة خطابية لتحويل قيد استراتيجي إلى قرار قابل للتسويق سياسيًا.
فالحجة المعلنة — تجنب ضربة قد تصيب سفنًا روسية أو صينية بطريق الخطأ — وفرت إطارًا سرديًا لتبرير الانسحاب دون الاعتراف صراحة بالتراجع.

وهكذا جاء إعادة انتشار القوات الأميركية نحو المياه المحاذية لشبه الجزيرة العربية ضمن منطق خفض التصعيد المحسوب، والمُقدَّم إعلاميًا كخيار للحكمة والمسؤولية.

بهذه الطريقة، حافظت الإدارة الأميركية على صورة الحزم، بينما تجنبت مواجهة لم تكن قادرة على التحكم بها.

وهو مثال واضح على الانفصال المتزايد بين الخطاب الاستراتيجي والواقع العملياتي.

حدود «القسرية بالضجيج»

تُظهر هذه المرحلة حدود الاستراتيجية القائمة على الاستعراض الرمزي للقوة والتهديدات اللفظية.
فالـ«ضجيج الاستراتيجي» — التهديدات، التصريحات الصاخبة، والتحركات العسكرية المُعلنة — قد يحقق أثرًا مؤقتًا، لكنه يفقد مصداقيته إن لم يكن مدعومًا بقدرة حقيقية وإرادة سياسية لتنفيذ الوعود.

في المقابل، تُجسد المقاربة الروسية–الصينية–الإيرانية نموذجًا أكثر هدوءًا، قائمًا على:

  • تعزيز القدرات بشكل تدريجي،
  • التنسيق العملياتي،
  • والتحكم في الإيقاع الاستراتيجي.

في مثل هذا السياق، يصبح الصمت المدروس أداة قوة، عندما يرافقه استعداد فعلي.

نحو إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي

لا يمكن اعتبار الانسحاب البحري الأميركي من الخليج انسحابًا نهائيًا من المنطقة، بل هو تكيف اضطراري مع بيئة استراتيجية أصبحت أكثر كثافة وتعقيدًا وتعددية.
لم يعد ميزان القوى قائمًا على الهيمنة المنفردة، بل على:

  • صدقية الردع،
  • القدرة على إدارة التصعيد،
  • واستيعاب فاعلين كبار ذوي مصالح متضاربة.

في مثل هذا الإطار، لم تعد الهيمنة العسكرية وحدها كافية؛ بل تتطلب انسجامًا سياسيًا واستراتيجيًا كانت إدارة ترامب عاجزة عن الحفاظ عليه.

خاتمة

إن الانسحاب الجزئي للسفن الحربية الأميركية من الخليج ليس حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق في توازنات المنطقة.
فمنح الوجود الروسي–الصيني واشنطن مخرجًا استراتيجيًا، وفي الوقت نفسه كشف حدود سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية.

ويؤكد هذا المشهد أن القوة في النظام الدولي المعاصر لا تُقاس فقط بمدى القدرة على إحداث الضجيج، بل بقدرة الأطراف على فرض الصمت عبر الردع الموثوق والسيطرة على المخاطر.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...