إن الانسحاب الجزئي للسفن الحربية الأميركية من الخليج العربي فُسّر، في الخطابات السائدة، على أنه مجرد تعديل تكتيكي أو قرار ظرفي يدخل في نطاق الإدارة الروتينية للانتشارات العسكرية. إلا أن قراءة أكثر عمقًا للديناميات الاستراتيجية الإقليمية تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا بكثير. فقد لعب الوجود المتزامن للسفن الروسية والصينية المشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع إيران دورًا حاسمًا في هذا القرار، إذ منح إدارة ترامب مخرجًا استراتيجيًا في مواجهة مأزق عسكري وسياسي متصاعد.
مأزق استراتيجي أميركي أمام إيران
فالضربة المباشرة ضد إيران كانت ستقود شبه حتمًا إلى صراع طويل، يتجاوز بكثير إطار عملية عقابية محدودة. القدرات الصاروخية الإيرانية، عمقها الاستراتيجي، شبكة حلفائها الإقليمية، وتحكمها في الممرات البحرية الحساسة — خصوصًا مضيق هرمز — كانت تجعل أي مواجهة عالية المخاطر.
إلى ذلك، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة سياسيًا أو اجتماعيًا لحرب طويلة، مكلفة وغير مضمونة النتائج — لا بشريًا ولا ماليًا.
وهكذا وجدت إدارة ترامب نفسها في تناقض استراتيجي كلاسيكي: خطاب متصاعد بلا نية حقيقية — ولا قدرة — على تحمل تبعات التصعيد العسكري.
الردع الروسي–الصيني المتقاطع كعامل استقرار
لقد أصبح الردع قائمًا ليس فقط على التهديد المباشر، بل على تعقيد حسابات الخصم — وهو آلية مألوفة في نظريات الردع غير المباشر الحديثة.
الانسحاب البحري كذريعة لتهدئة الموقف
وهكذا جاء إعادة انتشار القوات الأميركية نحو المياه المحاذية لشبه الجزيرة العربية ضمن منطق خفض التصعيد المحسوب، والمُقدَّم إعلاميًا كخيار للحكمة والمسؤولية.
بهذه الطريقة، حافظت الإدارة الأميركية على صورة الحزم، بينما تجنبت مواجهة لم تكن قادرة على التحكم بها.
وهو مثال واضح على الانفصال المتزايد بين الخطاب الاستراتيجي والواقع العملياتي.
حدود «القسرية بالضجيج»
في المقابل، تُجسد المقاربة الروسية–الصينية–الإيرانية نموذجًا أكثر هدوءًا، قائمًا على:
- تعزيز القدرات بشكل تدريجي،
- التنسيق العملياتي،
- والتحكم في الإيقاع الاستراتيجي.
في مثل هذا السياق، يصبح الصمت المدروس أداة قوة، عندما يرافقه استعداد فعلي.
نحو إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي
- صدقية الردع،
- القدرة على إدارة التصعيد،
- واستيعاب فاعلين كبار ذوي مصالح متضاربة.
في مثل هذا الإطار، لم تعد الهيمنة العسكرية وحدها كافية؛ بل تتطلب انسجامًا سياسيًا واستراتيجيًا كانت إدارة ترامب عاجزة عن الحفاظ عليه.
خاتمة
ويؤكد هذا المشهد أن القوة في النظام الدولي المعاصر لا تُقاس فقط بمدى القدرة على إحداث الضجيج، بل بقدرة الأطراف على فرض الصمت عبر الردع الموثوق والسيطرة على المخاطر.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق