التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحوّل في مقاربة الجيش الجزائري لمكافحة شبكات المخدرات عبر الحدود: قراءة في دلالات التصعيد الأمني

تشهد المنطقة الحدودية الغربية للجزائر تطورًا لافتًا في وتيرة العمليات الأمنية الموجهة ضد شبكات تهريب المخدرات القادمة من المغرب، ما يوحي بتحوّل نوعي في مقاربة المؤسسة العسكرية الجزائرية تجاه هذه الظاهرة المتصاعدة. فخلال الأسابيع الأخيرة، صدرت بيانات متتالية عن وزارة الدفاع الوطني تُعلن عن «تحييد» عناصر مسلّحة مرتبطة بشبكات التهريب، في عمليات باتت تحمل طابعًا أكثر صرامة من السابق.


حادثة 27 فبراير: عملية جديدة في سلسلة متتابعة

في بيان صدر يوم 28 فبراير، أعلنت وزارة الدفاع الوطني أنّ وحدات من الجيش الوطني الشعبي في منطقة بني ونيف (الناحية العسكرية الثالثة) قامت يوم 27 فبراير بـ«تحييد» مهربين اثنين يحملان الجنسية المغربية، أثناء محاولتهما إدخال 49 كيلوغرامًا من الكيف المعالج إلى التراب الجزائري.
وأشار البيان إلى تحديد هوية أحد القتيلين، وذكر اسم بن دودة عبد القادر.

هذا الإعلان يأتي ليضيف حلقة جديدة إلى سلسلة من العمليات العسكرية التي تستهدف شحنات المخدرات القادمة من المغرب ومحاولات إدخالها عبر ممرات صحراوية وعرة تُستغلّ منذ سنوات من قبل شبكات التهريب.

عملية بشار نهاية يناير: السياق الأمني نفسه

الحادثة الأخيرة تستعيد مشهدًا مشابهًا لما وقع في أواخر جانفي بولاية بشار، عندما نفّذت قوات مشتركة من الجيش، وحرس الحدود، والجمارك كمينًا في منطقة غنامة.
وأسفرت العملية عن مقتل ثلاثة مهربين مغاربة، واعتقال رابع، بالإضافة إلى حجز 74 كلغ من الكيف المعالج، حسب ما نقلته الصحافة الوطنية ووكالة الأنباء الجزائرية.

تكرار هذا النمط من العمليات خلال فترة قصيرة يعزّز الانطباع بأنّ ما يجري لم يعد مجرد مواجهات متناثرة، بل ديناميكية أمنية جديدة تسعى الجزائر من خلالها إلى كسر شبكات تهريب المخدرات عند المنبع الحدودي.

لغة البيانات الرسمية: رسائل مزدوجة

البيان الصادر في 28 فبراير استخدم تعابير لا تخلو من دلالات سياسية، حيث تحدّث عن «حرب مخدرات» يقودها «المخزن»، واعتبر محاولات التهريب «متكررة» و«ممنهجة».
كما لوحظ أنّ وزارة الدفاع باتت تكشف عن هويات بعض المهرّبين وتستخدم مفردات تؤكد «الصرامة» و«الحزم».

هذه العناصر تخدم، وفق قراءة تحليلية، هدفين متوازيين:

  1. الردع الأمني: عبر توجيه رسالة مباشرة لشبكات التهريب بأنّ أي محاولة اختراق ستواجه بردّ قاسٍ.
  2. الإشارة السياسية: عبر تحميل المغرب مسؤولية تدهور الوضع الأمني الحدودي وربط الظاهرة بخلفيات جيوسياسية أوسع.

هل تغيّرت قواعد الاشتباك؟

العمليات الأخيرة، إضافة إلى لهجة البيانات، توحي بأنّ الجزائر انتقلت من مقاربة دفاعية تقوم على الملاحقة والمطاردة، إلى مقاربة استباقية ذات طابع هجومي، تعتمد على:

  • إحباط محاولات التهريب قبل اختراق الحدود
  • استخدام القوة النارية في حال وجود مسلحين أو مقاومة
  • التحرك وفق معلومات استخباراتية مسبقة
  • تدمير شبكات التهريب بدل الاكتفاء بإفشال عملياتها

هذا التحول ليس معزولًا عن تطورات السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت كميات المخدرات المحجوزة بشكل لافت، وازدادت محاولات التسلل الحدودي من جهات جنوبية وجنوبية‑غربية تُعد تقليديًا مسرحًا لنشاط المهربين.

البُعد الإقليمي: الجريمة المنظمة على خط التماس

من منظور أوسع، يمكن قراءة هذه الأحداث في سياق ثلاثة عوامل رئيسية:

  1. تضييق الخناق على شبكات تهريب المخدرات في الشمال المغربي، ما يدفعها للبحث عن مسالك بديلة نحو الجزائر والساحل.
  2. تزايد ترابط التهريب مع أنشطة أخرى مثل الاتجار بالبشر والوقود والأسلحة الخفيفة.
  3. تلاشي الحدود بين الاقتصاد غير القانوني والجماعات المسلحة في المنطقة الصحراوية، ما يستدعي تدخل المؤسسة العسكرية بدل القوى الأمنية التقليدية.

خلاصة تحليلية: تصعيد محسوب أم مرحلة جديدة؟

المعطيات المتاحة تشير إلى أنّ الجيش الجزائري يعتمد تكتيكًا أكثر صرامة لوقف التهريب عبر الحدود الغربية، في سياق تعتبره الجزائر «تهديدًا متعدد الأبعاد» يمس الأمن القومي مباشرة.
لكنّ التصعيد لا يعني بالضرورة أنّ السياسة تحولت إلى «القضاء الممنهج»، بل إلى تعزيز قواعد الاشتباك بما يتناسب مع البيئة الأمنية المتدهورة.

يبقى أنّ تكرار العمليات، وارتفاع مستوى العنف، ونبرة البيانات الرسمية، كلها مؤشرات على أنّ الجزائر دخلت مرحلة جديدة في إدارة ملف المخدرات القادمة من المغرب، مرحلة تُعطي الأولوية لفرض معادلة ردع واضحة على الحدود، في ظل استمرار التوتر الإقليمي وتوسع الجريمة المنظمة في المنطقة المغاربية‑الساحلية.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...