لم يعد مشروع خط الغاز العابر للصحراء (TSGP) مجرد بنية تحتية لنقل الغاز، بل تحول إلى رافعة جيواقتصادية تُعيد ترتيب موازين الطاقة بين غرب إفريقيا وحوض المتوسط. فالمشروع، الذي يربط غاز نيجيريا مرورًا بالنيجر وصولًا إلى الجزائر ثم إلى شبكات التصدير نحو أوروبا، يُقدَّم بصفته مسارًا قادرًا على نقل نحو 30 مليار متر مكعب سنويًا، وبطول يتجاوز 4,000 كلم وتكلفة تُقدَّر بنحو 13 مليار دولار.
وفي توقيت تتزايد فيه حاجة الأسواق الأوروبية إلى تنويع مصادر الإمداد، يصبح هذا الممر العابر للصحراء جزءًا من “هندسة أمن الطاقة” الجديدة: ليس لأنه يضيف فقط كميات إلى السوق، بل لأنه يفتح جغرافيا إمداد مختلفة—إفريقية/متوسطية—تعزز موقع الجزائر كعقدة عبور (hub) وتمنح نيجيريا منفذًا بريًا إضافيًا إلى الشمال.
1) إعلان “ما بعد رمضان”: انتقال من الخطاب إلى التنفيذ
2) لماذا يهمّ المشروع أوروبا؟ ولماذا يهمّ إفريقيا أكثر؟
في القراءة الأوروبية، يشكّل TSGP “خيارًا” إضافيًا ضمن سعي القارة إلى تنويع الإمدادات وخفض الاعتماد على عدد محدود من الموردين والمسارات. لكنه في القراءة الإفريقية أعمق من ذلك:
- نيجيريا ترى فيه أداة لتعظيم قيمة احتياطاتها الغازية عبر مسار بري طويل الأمد، بدل الاعتماد الحصري على مسارات بحرية/غاز مسال.
- النيجر—بوصفه دولة عبور—يحصل على مكاسب محتملة من الرسوم والبنية المرافقة، وعلى هامش مناورة أكبر في التموضع الإقليمي.
- الجزائر تعزّز دورها كحلقة وصل بين إفريقيا جنوب الصحراء والأسواق المتوسطية، بالاستناد إلى شبكات تصدير قائمة يمكن أن تتكامل مع التدفقات الجديدة عند اكتمال الربط.
3) عقدة الساحل: الممر الإجباري… والبيئة الأكثر هشاشة
غير أن “قوة المشروع” هي أيضًا نقطة ضعفه: فهو يمر عبر الساحل، حيث تتداخل هشاشة الدولة مع اتساع الجغرافيا وتمدّد الجماعات المسلحة. تقارير وتحليلات أمنية دولية عديدة تصف الساحل بأنه أحد أكثر مسارح العنف الجهادي فتكًا في العالم، مع توسع نفوذ جماعات مرتبطة بـ“القاعدة” و“داعش” في محيط المثلث الحدودي (مالي–النيجر–بوركينا فاسو) وامتدادها نحو دول ساحلية.
وتؤكد قواعد بيانات وتحليلات ميدانية متخصصة—مثل ACLED—أن العنف الجهادي في وسط الساحل بات نزاعًا عابرًا للحدود، تغذّيه تحولات سياسية وتراجع التعاون الإقليمي وتحديات ضبط الحدود.
4) “التهديد النوعي”: عندما يتغير مستوى الخبرة
القلق لا يتعلق فقط بعدد المسلحين، بل أيضًا باحتمال ارتفاع “نوعية” القدرات مع تحركات مقاتلين ذوي خبرة بين مسارح صراع مختلفة. تحليلات مراكز متخصصة في تتبع الحركات الجهادية في غرب إفريقيا تشير إلى تطور تكتيكات بعض التنظيمات وتزايد ترابط شبكاتها بين الساحل وحوض بحيرة تشاد، وما يعنيه ذلك من قابلية أعلى للتنسيق والتمدد.
كما تتحدث تقارير ومتابعات أمنية وإحصائية عن اتساع رقعة العنف وتزايد قدرات الجماعات على العمل خارج “مناطقها التقليدية”، بما في ذلك الاقتراب من مناطق ساحلية حساسة اقتصاديًا.
5) معركة السرديات: حين تتحول البنية التحتية إلى “قصة”
في ظل هذا المناخ، خضعت بعض التصريحات الصادرة عن المغرب، والتي تُلمّح علنًا إلى احتمال استهداف خط أنابيب الغاز من قِبل إرهابيين، لتدقيقٍ دقيق. ورغم أنها قد تُقدّم كسيناريوهات تحليلية فحسب، إلا أن تكرارها في وسائل الإعلام ومن قِبل بعض المعلقين له وزنٌ في حرب النفوذ، حيث تُعدّ التصورات بنفس أهمية الحقائق.
في منطقة تتسم بتنافسٍ حادّ على الطاقة - سواءً على طرق الغاز أو الوصول إلى السوق الأوروبية - يُفسّر أصحاب المصلحة أي محاولة لتقويض مشروعٍ منافس، ولو بشكلٍ رمزي، على الفور على أنها عملٌ عدائي.
وبحكم أهميته الجيوسياسية، يُصبح خط أنابيب الغاز العابر للحدود ساحةً لتنافس الروايات.
6) الأمن كشرط نجاح: ماذا يعني “تأمين” مشروع بهذا الحجم؟
تُجمع معظم القراءات التقنية على أن العائق ليس هندسيًا بقدر ما هو أمني وتمويلي. خبراء تحدثوا لوسائل اقتصادية متخصصة أشاروا إلى أن خط الأنابيب يمكن دفنه تحت الأرض وتقليل نقاط الضعف الظاهرة، بينما تبقى محطات الضغط/الضخ عناصر حساسة تتطلب حماية معززة.
وعمليًا، تأمين TSGP لا يعني “حراسة خط” فحسب، بل بناء منظومة تشمل:
- تنسيقًا عسكريًا/أمنيًا بين الدول الثلاث،
- رقابة تقنية واستطلاعية للمقاطع الحساسة،
- مكافحة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود التي تغذي اقتصاد العنف،
- واستباقًا استخباراتيًا لتغير أنماط التهديد.
خلاصة: مشروع يختبر مستقبل الساحل بقدر ما يختبر مستقبل الطاقة
في المحصلة، يختصر TSGP معادلة إفريقية معاصرة: مشروع تنموي عملاق يمرّ عبر فضاء أمني شديد التعقيد. إعلان الانطلاق “بعد رمضان” يبعث رسالة سياسية واضحة بأن الجزائر وشركاءها يريدون دفع المشروع إلى مرحلة لا عودة منها.
لكن نجاحه سيعتمد على قدرة الدول المعنية على تحويل التحدي الأمني في الساحل من “مخاطر مزمنة” إلى “مخاطر قابلة للإدارة”، وعلى قدرتها في الوقت نفسه على حماية المشروع من حرب السرديات التي ترافق عادة المشاريع التي تعيد رسم طرق التجارة والطاقة في الإقليم.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق