تحوّل مشروع استغلال منجم الحديد غارا جبيلات في الخطاب الإعلامي لدى بعض الأصوات إلى موضوع للتشكيك في قدرة الجزائر على تنفيذ مشاريع صناعية كبرى. ويرتكز هذا الخطاب أساساً على حجة واحدة تتكرر باستمرار: ارتفاع نسبة الفوسفور في خام الحديد، والذي يُقدَّم باعتباره دليلاً كافياً على “عدم الجدوى الاقتصادية” للمشروع.
غير أنّ فحص هذا الادعاء من منظور تقني واقتصادي يكشف أن هذه القراءة سطحية وغير دقيقة، وتعكس أكثر خطاباً انطباعياً من تحليل علمي مبني على حقائق الصناعة التعدينية الحديثة.
الفوسفور: إكراه تقني معروف في الصناعة وليس حاجزاً بنيوياً
من الناحية التقنية، صحيح أن خام غارا جبيلات يحتوي على نسبة فوسفور أعلى من المعايير المطلوبة تقليدياً في صناعة الحديد والصلب. غير أن هذا التحدي ليس استثنائياً في القطاع المنجمي العالمي، ولا يمثل عقبة تحول دون الاستغلال الاقتصادي.
إذ تعتمد عدة دول على خامات ذات تعقيد أعلى بكثير، وتلجأ فيها إلى تقنيات متقدمة مثل:
- الفصل المغناطيسي عالي الدقة؛
- الاختزال المباشر؛
- المعالجة الحرارية – الكيميائية؛
- تقنيات إزالة الفوسفور المُعتمدة صناعياً بشكل واسع.
الفوسفور: مورد استراتيجي وليس “نفاية” كما يروَّج
- صناعة الأسمدة الفوسفاتية، التي تشكل عمود الأمن الغذائي العالمي؛
- الصناعات الكيميائية المختلفة؛
- صناعة بعض السبائك الخاصة؛
- تطبيقات تكنولوجية متقدمة.
وبالتالي، فإن استرجاع الفوسفور وتثمينه يحوّل ما يُروَّج له كـ “تكلفة إضافية” إلى مورد اقتصادي مكمِّل يعزز الجدوى المالية للمشروع. وهذا من صميم فلسفة التعدين الحديثة المبنية على الاستغلال الكامل للخام وليس التركيز على عنصر واحد فقط.
مشروع صناعي متكامل… لا مجرد منجم للتصدير
يقع الكثير من المنتقدين في خطأ جوهري حين يفترضون أن المشروع يهدف إلى استخراج الخام الخام وتصديره. في الواقع، تقوم الرؤية الجزائرية على بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل:
- الاستخراج؛
- الإثراء والمعالجة؛
- نزع الفوسفور؛
- إنتاج مركزات حديد مطابقة للمعايير الصناعية؛
- تثمين المنتجات الثانوية؛
- تزويد الصناعات الوطنية للحديد مباشرة.
هذا النموذج يحقق ثلاثة أهداف أساسية:
- تقليص التكاليف عبر المعالجة الموضعية؛
- تقليل التبعية الخارجية؛
- تعزيز السيادة الصناعية للبلاد.
وهو ما لا تدركه القراءات البدائية التي تنظر إلى التعدين بمنطق “بيع المواد الخام فقط”.
لماذا يستمر خطاب التشكيك رغم وضوح المسار الصناعي؟
لو كان المشروع غير قابل للحياة اقتصادياً كما يُروَّج، لَما كان قادراً على جذب:
- استثمارات معتبرة؛
- شراكات تكنولوجية دولية؛
- تخطيط استراتيجي طويل المدى على أعلى مستوى من الدولة.
إن استمرار خطاب “عدم الجدوى” لا يعكس نقاشاً تقنياً، بل غالباً ما يكشف:
- قصوراً في الفهم الاقتصادي؛
- أو موقفاً أيديولوجياً منطقياً معادياً للتصنيع الثقيل؛
- أو رغبة في الإبقاء على صورة الجزائر كدولة غير قادرة على خوض مشاريع صناعية كبرى.
خلاصة: غارا جبيلات مشروع هيكلي والفوسفور عنصر قوة لا نقطة ضعف
إن مشروع غارا جبيلات ليس مقامرة، بل هو مشروع استراتيجي قائم على منطق اقتصادي معاصر، يراعي تعقيدات الصناعة العالمية وأساليب تثمين سلسلة القيمة.
الفوسفور ليس عبئاً كما يروَّج، بل رافعة اقتصادية وصناعية وزراعية يمكن أن تعزز مردودية المشروع وتفتح آفاقاً واسعة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق