اختيار يوم 28 فبراير لبدء الهجوم على إيران لا يمكن فصله عن البعد الرمزي في إدارة الصراع. فهو يسبق بأيام عيد بوريم في الذاكرة اليهودية، ويتزامن مع اليوم العاشر من شهر رمضان، وهو تاريخ يرتبط في المخيال العسكري العربي ببداية حرب أكتوبر 1973.
في الحروب الحديثة، لا يُترك عامل الزمن للصدفة؛ إذ يشكل التوقيت جزءًا من الحرب النفسية والإدراكية (Cognitive Warfare)، ويُستخدم لإرسال رسائل تعبئة داخلية وردع خارجي، وإضفاء بعد تاريخي أو ديني على القرار العسكري.
طبيعة العملية وبنيتها العملياتية
الهجوم المشترك الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي وُصف بأنه “ضربة وقائية”، لا يبدو حتى الآن حملة جوية شاملة، بل عملية دقيقة محدودة الأهداف ذات طابع استراتيجي.
الضربات استهدفت مراكز قيادة ومنشآت حساسة في طهران، إضافة إلى مواقع في أصفهان، قم، كرمانشاه، تبريز، كرج وتشابهار.
المعطيات المتوفرة تشير إلى:
• استخدام صواريخ كروز بعيدة المدى.
• إطلاق صواريخ باليستية دقيقة.
• غياب اختراق جوي واسع النطاق.
• عدم تنفيذ حملة كاملة لقمع وتدمير الدفاعات الجوية (SEAD/DEAD).
هذا النمط يعكس عملية محسوبة تهدف إلى إضعاف البنية القيادية والقدرات الحساسة دون الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة.
الأهداف العملياتية المحتملة
من منظور التحليل العسكري، يمكن تحديد أربعة أهداف رئيسية:
1. إرباك منظومة القيادة والسيطرة (C2) الإيرانية عبر استهداف مراكز القرار.
2. إرسال رسالة ردع استراتيجية بشأن البرنامج النووي.
3. اختبار شبكة الدفاع الجوي الإيرانية وجمع بيانات استخباراتية عن ردود الفعل الرادارية.
4. تهيئة المسرح لمرحلة تصعيد لاحقة إذا اقتضت الضرورة.
غياب حملة جوية كثيفة يدل على أن الهجوم يمثل مرحلة افتتاحية، لا معركة حاسمة.
خسارة المبادرة الاستراتيجية
في الحروب الوقائية، يحتفظ الطرف الذي يضرب أولًا بميزة حاسمة: عنصر المفاجأة والتحكم في إيقاع العمليات.
إيران، رغم امتلاكها قدرات صاروخية متقدمة، لم تبادر بضربة استباقية ضد القواعد الأمريكية في المنطقة. من الناحية العسكرية البحتة، كان يمكن لضربة مركزة ضد أصول جوية أو مراكز دعم لوجستي أن تغير ميزان البداية.
لكن مثل هذا القرار كان سيؤدي حتمًا إلى رد أمريكي شامل قد يهدد بقاء النظام نفسه. لذلك فضلت طهران الانتظار، وهو خيار مفهوم سياسيًا لكنه مكلف استراتيجيًا.
خيارات الرد الإيراني
الرد الإيراني، إذا تم، سيواجه ثلاث معضلات رئيسية:
• محدودية مخزون الصواريخ مقارنة بقدرات الخصم.
• هشاشة منصات الإطلاق أمام الاستهداف.
• التفوق الاستخباراتي الأمريكي في مجالات الاستطلاع والمراقبة.
لتحقيق تأثير فعّال، سيكون على طهران:
1. انتقاء الأهداف بعناية
التركيز على أهداف ذات قيمة استراتيجية وسياسية عالية بدل الضربات الرمزية.
2. استخدام مبدأ الإغراق النيراني المدروس
دمج الصواريخ والطائرات المسيّرة لإرهاق الدفاعات المعادية.
3. توسيع مسرح العمليات بشكل غير مباشر
الاستفادة من الحلفاء الإقليميين دون الانجرار إلى مواجهة شاملة مباشرة.
أي استهداف واسع لمنشآت الطاقة في الخليج أو محاولة إغلاق مضيق هرمز سيُعد تصعيدًا خطيرًا قد يوحّد المجتمع الدولي ضد إيران.
ميزان القوى الهيكلي
رغم امتلاك إيران لقدرات ردع غير متماثلة، فإن الفجوة البنيوية بينها وبين الولايات المتحدة كبيرة:
• تفوق جوي وتكنولوجي أمريكي.
• شبكة قواعد وتحالفات إقليمية.
• عمق صناعي ولوجستي يسمح بتجديد سريع للقدرات.
• هيمنة استخباراتية وفضائية.
بالتالي، قدرة إيران تكمن في رفع كلفة الحرب لا في حسمها عسكريًا على المدى الطويل.
معركة الإيقاع والسيطرة على التصعيد
نحن أمام صراع يُدار بإيقاع مدروس، حيث يسعى كل طرف إلى توجيه ضربة مؤثرة دون الانزلاق إلى حرب شاملة غير محسوبة.
المبادرة حاليًا بيد التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، لكن هامش المناورة الإيراني لم يُغلق بالكامل. المسألة الحاسمة لن تكون من يستطيع الضرب، بل من يستطيع إدارة التصعيد والتحكم في إيقاع العمليات مع تحقيق مكاسب سياسية تتجاوز ساحة المعركة.
في النهاية، هذه ليست فقط مواجهة صواريخ وأنظمة دفاع، بل صراع إرادات وحسابات دقيقة بين الردع والتصعيد، بين القدرة على الإيذاء والقدرة على تحمّل الكلفة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق