التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النزاع الجزائري-المغربي في ميزان مفهوم الفتنة

كثيرًا ما يُستدعى مصطلح الفتنة في الخطاب السياسي والإعلامي، بل وحتى الديني، كلما وقع توتر أو نزاع بين دول أو مجتمعات مسلمة. غير أن هذا الاستعمال في الغالب يفتقد إلى الدقة المفهومية، ويقوم على شحن أخلاقي للمصطلح خارج سياقه الشرعي.
فالفتنة في التراث الإسلامي ليست توصيفًا عاطفيًا لكل خلاف، ولا أداة لإسكات النزاعات السياسية، بل هي مفهوم عقدي دقيق له شروطه وضوابطه.
وانطلاقًا من كتابات كبار علماء الإسلام السنّي، وفي مقدمتهم ابن تيمية وأبو حامد الغزالي وأبو إسحاق الشاطبي، يتبيّن بوضوح أن ما يجري بين الجزائر والمغرب لا يرقى إلى أن يكون فتنة بالمعنى الشرعي.

أولًا: ابن تيمية – الفتنة بوصفها التباس الحق وعموم الظلم

يعدّ ابن تيمية (ت 728هـ) من أكثر العلماء تدقيقًا في التفريق بين النزاع المشروع والفتنة المحرّمة. وقد قرر في مجموع الفتاوى أن:
«الفتنة إنما تقع إذا التبس الحق بالباطل، وغلب الهوى، ووقعت المظالم بلا ميزان عدل».

ومن خلال مجموع نصوصه، يمكن استخلاص ثلاثة معايير أساسية للفتنة:
  • غياب التمييز بين الحق والباطل
  • انعدام السبب العادل أو المشروعية الظاهرة
  • سيطرة الأهواء والشهوات على القرار دون ضابط شرعي
👉 وبالنظر إلى النزاع الجزائري-المغربي، نجد أنه:
  • قائم على مواقف سياسية معلنة،
  • يستند إلى قراءات تاريخية وقانونية واضحة،
  • ولا يؤدي إلى فوضى عقدية أو انهيار معياري داخل المجتمعات.

كما يقرر ابن تيمية قاعدة محورية بقوله:
«ليس كل قتال أو خصومة تكون فتنة، وإنما الفتنة ما صدّ عن سبيل الله وعن إقامة العدل».

➡️ وعليه، فإن الخلاف السياسي القائم على تصور للعدل والحق لا يُعد فتنة، ولو كان بين مسلمين.

ثانيًا: الغزالي – الفتنة خطر ديني لا مجرد اضطراب سياسي

يرى الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)، في إحياء علوم الدين والاقتصاد في الاعتقاد، أن الفتنة الحقيقية هي التي تفسد الدين قبل الدنيا.

ويفرّق بوضوح بين:
  • الاضطرابات التي تمس العقيدة والعبادة،
  • والنزاعات التي تدخل في باب تدبير الشأن الدنيوي والسياسي.
ويقرر قاعدة شهيرة بقوله:
«فساد الدين أعظم من فساد السلطان».

وبناءً على هذا الفهم:
  • فالفتنة عند الغزالي ذات طبيعة روحية وعقدية أولًا،
  • ولا تكون كذلك لمجرد وجود خصومة سياسية أو نزاع على النفوذ.
👉 والنزاع الجزائري-المغربي:
  • لا يمس أصول الإيمان،
  • ولا يغير شعائر الإسلام،
  • ولا يفرض تصورًا دينيًا منحرفًا.
➡️ فهو إذن خلاف سياسي دنيوي، لا فتنة دينية بالمعنى الغزالي.

ويحذر الغزالي من مغبة استعمال شعار الوحدة لتبرير الظلم، فيقول بمعنى كلامه:
«من دعا إلى الوحدة مع ترك الظلم، فقد هدم الوحدة من حيث لا يشعر».

ثالثًا: الشاطبي – الفتنة في ضوء مقاصد الشريعة

أما الإمام أبو إسحاق الشاطبي (ت 790هـ)، فقد قدّم في الموافقات معيارًا حاسمًا لتقييم النزاعات، وهو ميزان المقاصد.

فالفتنة عنده هي كل ما يؤدي إلى:

هدم مقاصد الشريعة الكبرى، وهي:
  • حفظ الدين،
  • حفظ النفس،
  • حفظ العقل،
  • حفظ الكرامة،
  • حفظ المال.
ويؤكد الشاطبي أن:
«ما كان محققًا لمقاصد الشريعة، فلا يُحكم عليه بالفساد لمجرد ما يترتب عليه من نزاع أو اختلاف».

👉 وبتطبيق هذا الميزان:
  • فإن الموقف الجزائري يقدّم نفسه باعتباره دفاعًا عن مبدأ العدالة الجماعية،
  • ومنسجمًا مع منطق رفع الظلم وإنهاء آثار الاستعمار، وهو مقصد شرعي معتبر.
➡️ وعليه، فإن النزاع السياسي الذي يُبرَّر بمقاصد العدل لا يُعد فتنة وفق المنهج الشاطبي.

رابعًا: إساءة استعمال مفهوم الفتنة في العصر الحديث

يتفق ابن تيمية والغزالي والشاطبي على تحذير جوهري مفاده أن:
الخوف من الفتنة لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لتقديس الظلم أو تعطيل الحق.

فابن تيمية انتقد من يخلط بين الاستقرار والحق.
والغزالي رفض تحويل الصمت إلى فضيلة دينية.
والشاطبي شدد على أن الشريعة لا تهدف إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى تنظيمه.

خاتمة

في ضوء التراث الكلاسيكي لعلماء الإسلام:
  • فإن ما يجري بين الجزائر والمغرب ليس فتنة شرعية،
  • ولا يهدد وحدة العقيدة ولا كيان الأمة الديني،
  • بل هو خلاف سياسي بين دولتين، تحكمه اعتبارات التاريخ والقانون والمصالح.

ووصم هذا النزاع بالفتنة:
  • خلل مفهومي،
  • وتبسيط مخلّ للتراث الإسلامي،
  • وقد يتحول إلى أداة أخلاقية لتكميم النقاش السياسي المشروع.
👉 الإسلام لا يدعو إلى إنكار الخلافات، بل إلى إدارتها بالعدل والبصيرة والمسؤولية.


بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...