لم تكن كأس أمم إفريقيا 2025، التي نظمها المغرب بإمكانات مالية ضخمة، مجرد بطولة كروية عادية، بل تحولت إلى فضيحة قارية مكتملة الأركان كشفت، من دون مواربة، عن نمط اشتغال منظومة كاملة تقوم على التلاعب، والابتزاز، واختراق المؤسسات، وتسخير الرياضة لخدمة أجندة سياسية قائمة على الهروب إلى الأمام.
فالهزيمة التي تلقاها المنتخب المغربي في النهائي أمام السنغال (1–0) لم تُنهِ الجدل، بل زادته وضوحًا: لم يفشل المشروع المغربي لأنه لم يُحضَّر، بل لأنه اصطدم في النهاية بحدود القدرة على التحكم المطلق.
بطولة وُلدت تحت الشبهة
منذ الأدوار الأولى، لاحظ المتابعون أن التحكيم في مباريات المغرب يسير في اتجاه واحد. أمام مالي في دور المجموعات، ثم تنزانيا في ثمن النهائي، والكاميرون في ربع النهائي، تكررت الأخطاء نفسها:
ركلات جزاء واضحة لم تُحتسب ضد المغرب، تدخلات خشنة تم التغاضي عنها، وقرارات “فار” وُظِّفت بانتقائية فجّة.
وجاءت المباراة النهائية لتكثّف كل تلك الانحرافات:
هدف سنغالي صحيح أُلغي في اللحظات الأخيرة، تلاه مباشرة احتساب ركلة جزاء للمغرب رغم وجود تسلل واضح في بداية اللقطة. هنا لم يعد الحديث عن “أخطاء بشرية” ممكنًا، بل عن توجيه ممنهج للتحكيم.
فوزي لقجع: من المال إلى التحكيم
تكشف المعطيات التي نشرتها صحيفة الخبر الجزائرية أن ما جرى فوق الميدان كان نتيجة خطة أُعدّت في الكواليس قبل أشهر، يقف في قلبها فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ورئيس اللجنة المالية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف).
نقطة الانطلاق كانت تحييد الأمانة العامة للكاف، التي يرأسها الكونغولي فيرون موسينغو أومبا. مستغلًا موقعه المالي الحساس، دفع لقجع الكاف إلى الاستعانة بمكتب تدقيق خارجي، في ظل انتشار شبهات فساد واسعة داخل الأمانة العامة، وهو ما اعترفت به الكاف رسميًا في بيان نشرته بتاريخ 1 أوت 2024.
الابتزاز كوسيلة إدارة
عندما كان من المفترض أن يُعرض تقرير التدقيق على الجمعية العامة للكاف المنعقدة بالقاهرة يوم 12 مارس 2025، طلب مكتب التدقيق مهلة إضافية بحجة عدم استكمال عمله، فوافقت الكاف.
هذا التأجيل، وفق الخبر، لم يكن بريئًا، بل شكّل اللحظة المثالية للابتزاز.
اقترب لقجع من موسينغو وأبلغه بأن المدقق المغربي يمتلك معطيات كفيلة بإدانته نهائيًا، وأن عرض التقرير يعني “التوقيع على شهادة وفاته” داخل الكاف. ثم انتقل مباشرة إلى العرض: الحماية مقابل الخدمة.
اتفاق كينشاسا: السيطرة على التحكيم
تم إبرام الصفقة على هامش اجتماع المكتب التنفيذي للكاف في كينشاسا يوم 5 أكتوبر 2025.
تعهد لقجع باستخدام نفوذه لطمس تقرير التدقيق وحماية الأمين العام، مقابل أن يقوم هذا الأخير بإعادة هندسة جهاز التحكيم الإفريقي.
الركيزة الأساسية كانت تعيين رئيس جديد للجنة التحكيم بالكاف من جمهورية الكونغو الديمقراطية، يكون مواليًا بالكامل للأمين العام، وقابلًا لتنفيذ التعليمات.
هكذا فُرض اسم أوليفيي سافاري، الحكم الدولي المساعد السابق، في سرية تامة، رغم تحفظ لجنة التحكيم التابعة للفيفا عليه، بينما أُطلقت في الإعلام أسماء بديلة للتغطية والتمويه.
كان تحت الوصاية
بعد سقوط لجنة التحكيم في قبضة هذا التحالف، أصبحت المرحلة الثانية سهلة التنفيذ. توالت التعيينات المشبوهة، وبرزت أسماء بعينها في المباريات الحساسة، سواء الخاصة بالمغرب أو بمنافسيه المباشرين.
من بين الحكام الذين ارتبطت أسماؤهم بفضائح تحكيمية واضحة:
- الغابوني بيار غيزلان آتشو
- السنغالي عيسى سي
- الموريتاني دحان بيدة
- الغاني دانيال لاريا
- المالي بوبو طراوري
- التونسي هيثم قيراط
ورغم الغضب الشعبي والإعلامي الإفريقي والدولي، اختارت الكاف الصمت والتواطؤ، بل وهاجمت ضمنيًا من اعتبرتهم “خصوم المغرب”، في موقف يعكس عمق الأزمة الأخلاقية داخل الهيئة.
مباراة الافتتاح والنهائي: الدليل القاطع
أخطر ما في هذه الفضيحة أن مباراتي الافتتاح والنهائي—الأكثر رمزية وحساسية—أُسندتا إلى الحكم نفسه:
الكونغولي جون جاك ندالا.
ندالا أدار:
- مباراة الافتتاح بين المغرب وجزر القمر
- نهائي البطولة بين المغرب والسنغال
وعندما نعلم أن:
- الأمين العام للكاف كونغولي،
- رئيس لجنة التحكيم كونغولي،
- حكم المباراتين الحاسمتين كونغولي،
فإن الحديث عن الصدفة يتحول إلى استخفاف بالعقول.
من الكرة إلى السياسة: نفس المنهج
ما جرى في كان 2025 ليس استثناءً، بل امتداد طبيعي لسلوك مغربي متكرر في السياسة والدبلوماسية.
فضيحة “مورّوكوغيت” سنة 2022 كشفت شبكة فساد داخل البرلمان الأوروبي لشراء مواقف داعمة للرباط في ملف الصحراء الغربية.
وقضية بيغاسوس سنة 2021 فضحت تجسسًا واسعًا طال صحفيين ومعارضين ورؤساء دول، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
أما مع إسبانيا، فقد استُخدم الابتزاز بالمهاجرين في سبتة ومليلية حتى رضوخ مدريد في مارس 2022، قبل أن يُقابل المهاجرون أنفسهم بالقمع والقتل.
خاتمة: إهانة لإفريقيا
لم تكن كان 2025 مجرد بطولة أُديرت بشكل سيئ، بل إهانة لإفريقيا ومحاولة سافرة لسرقة أحلام شعوبها عبر التلاعب، والفساد، واختطاف مؤسساتها.
فشل المشروع رياضيًا، لكنه كشف حقيقة أخطر:
أن نظامًا يعتقد أنه قادر على شراء كل شيء—حتى العدالة—لا يمكنه في النهاية شراء الشرعية.
ولن يكون من المبالغة أن نعيد صياغة مقولة شكسبير:
كان، ولا يزال، هناك شيء عفن في مملكة المغرب.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق