التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين يتحوّل إنكار الاستعمار إلى تواطؤ: ردّ جزائري على مبرّري الجريمة الاستعمارية

يجب أن يُقال الأمر بوضوح لا لبس فيه ولا مجاملة: إنكار جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، أو التهوين منها، ليس رأياً ولا قراءة تاريخية، بل تواطؤ أخلاقي وانحياز فاضح للجلاد ضد الضحية.

الفيديو الأخير لعبد الفتاح نعوم المعروف بشوارب البواسر، الذي وصف فيه قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر بـ«غير المفيد»، لا يندرج في إطار نقاش قانوني بريء، بل يدخل ضمن مشروع أخطر: تبييض الاستعمار، وتشويه ذاكرة شعب، وشرعنة الجريمة بأدوات الخطاب الإعلامي.

أولاً: حجة «عدم الجدوى»… كذبة قديمة بوجه جديد

القول إن القانون «غير مفيد» لأنه لا يؤدي فوراً إلى محاكمات دولية هو تبسيط مخجل، لا يصدر إلا عن جهل بطبيعة القوانين السيادية، أو عن نية مبيّتة لتفريغها من معناها.

لم تُسنّ القوانين الذاكراتية في العالم من أجل الاستعراض القضائي،

بل من أجل:
  • تجريم الكذب،
  • تحصين الحقيقة التاريخية،
  • حماية الذاكرة الوطنية من التلاعب والإنكار.
حين تجرّم أوروبا إنكار الهولوكوست، يسمّى ذلك «حضارة قانونية».

وحين تجرّم الجزائر استعمارها، يسمّونه «شعبوية» و«عقدة تاريخية».

الفرق الوحيد؟

أن الضحية هنا جزائرية، وبعضهم لا يزال يرفض الاعتراف للجزائري بحق أن يكون ضحية معترفاً بها في التاريخ.

ثانياً: الاستعمار الفرنسي في الجزائر جريمة… لا موضوع نقاش

التشكيك في جرائم الاستعمار الفرنسي ليس اجتهاداً فكرياً،

بل إما جهل فاضح، أو إنكار متعمّد، أو وقاحة فكرية.

الاستعمار الفرنسي في الجزائر يعني:
  • إبادة بشرية عبر المحارق في الكهوف؛
  • سرقة الأرض وتحويل شعب كامل إلى مشرّدين في وطنهم؛
  • تجويع منظّم وسياسات إفقار متعمّدة؛
  • «قانون الأهالي»: عنصرية قانونية مكتملة الأركان؛
  • تعذيب ممنهج باعتراف جنرالات فرنسا أنفسهم؛
  • إعدامات جماعية وقرى مُسحت من الوجود؛
  • وتجارب نووية إجرامية في الصحراء، ما زالت تقتل الجزائريين إلى اليوم.
هذه ليست «أخطاء الماضي».

هذا تعريف دقيق لجريمة ضد الإنسانية بكل معايير القانون الدولي.

ومن ينكر ذلك، فهو لا يهين الجزائر فقط،

بل يدوس على الأرشيف، والشهادات، والقبور، ودماء الملايين.

ثالثاً: لماذا يصدر هذا الخطاب من المغرب؟

يجب قول الحقيقة دون مواربة.

حين يتحوّل بعض الأصوات المغربية إلى محامين عن الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فالأمر لا علاقة له بالموضوعية ولا بالبحث الأكاديمي.

إنه:
  • حساب سياسي بارد؛
  • صراع رمزي مع الذاكرة الجزائرية؛
  • محاولة لضرب شرعية ثورة التحرير؛
  • واصطفاف أيديولوجي مع السردية الفرنسية ضد السردية الجزائرية.
تهميش الذاكرة الجزائرية يعني:
  • ضرب الرصيد الأخلاقي للجزائر؛
  • التقليل من ثورة حرّرت شعباً وألهمت قارات؛
  • وتسويق نموذج «النسيان مقابل الرضا الاستعماري».
وهذا ليس براغماتية.
هذا اسمه خضوع ذاكراتي.

رابعاً: قانون تجريم الاستعمار… سيادة لا مزاج سياسي

قانون تجريم الاستعمار الفرنسي ليس زينة تشريعية، ولا ردّ فعل عاطفي.

إنه:
  • قرار سيادي؛
  • إعلان أن الجريمة الاستعمارية ليست قابلة للتفاوض؛
  • خط أحمر في وجه التبييض والإنكار؛
  • ورسالة واضحة: الجزائر لا تتسوّل الاعتراف، بل تفرض توصيف الجريمة.
وهذا القانون لا يخاطب باريس وحدها،

بل يخاطب أيضاً كل من يحاول:
  • تبرئة الجلاد،
  • وتشكيك الضحية،
  • وتحويل الجريمة إلى «وجهة نظر».

خامساً: الفضيحة الحقيقية… جزائر ترفض الصمت

ما يزعجهم حقاً ليس القانون.

ما يزعجهم أن الجزائر:
  • تتكلم دون إذن؛
  • تسمّي الجريمة دون وساطة؛
  • وترفض أن يُملى عليها كيف تتذكّر.
البعض يريد مستعمَراً سابقاً صامتاً،
ناسيًا،
مُتصالحاً مع جلاده،
يتعاون بلا ذاكرة.

الجزائر رفضت هذا الدور.

خاتمة

وصف قانون تجريم الاستعمار الفرنسي بأنه «غير مفيد» يعني:
  • تمييع واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث؛
  • إهانة ذاكرة الشهداء؛
  • والاصطفاف، بوعي أو بدونه، مع المستعمِر ضد الشعب المستعمَر.

التاريخ لن يُعاد كتابته لإرضاء يوتيوبرز أو منظّري النسيان.

الحقيقة لا تُقاس بعدد المشاهدات.
وكرامة الشعوب لا تُفاوض.
القانون ليس عديم الفائدة.

العديم الفائدة هو الوهم القائل إن السياسة تُبنى على دوس ذاكرة الشهداء.


بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...