استفزازات غير مقبولة
إلى جانب الخطابات والسرديات الإعلامية، تميّزت هذه البطولة بحادثتين لقيتا اهتماماً واسعاً:
في عدة مدن مغربية، رُفعت الأعلام الجزائرية بالمقلوب، وهو سلوك حوّل إجراءً بروتوكولياً بسيطاً إلى رسالة رمزية شديدة الدلالة. وفي سياق سياسي حساس، جرى تفسير هذا السلوك باعتباره استفزازاً متعمداً موجهاً ضد الجزائر.
خلال حفل الافتتاح، كان العلم الجزائري هو العلم الوحيد الذي لم يظهر في الشاشة (زاوية الكاميرا لم تسمح برؤية عملنا الوطني)، رغم أن البطولة ذات طابع قاري يفرض حضور أعلام جميع المنتخبات. وقد وثّقت مصادر عديدة هذا الغياب، مما عزّز الانطباع بوجود نية سياسية لإقصاء الجزائر من فضاء يفترض أن يكون رياضياً بحتاً.
إن تجميع هذه الوقائع يُظهر استراتيجية تصعيد رمزي تتجاوز المجال الرياضي بكثير.
صناعة روايات هدفها تأجيج التوتر
تزامناً مع هذه الخطوات الرمزية، عمدت بعض وسائل الإعلام المقرّبة من السلطة إلى تحويل الوجود الطبيعي للمشجعين الجزائريين في المدرجات إلى قضية سياسية. وقد رُوّجت اتهامات تزعم أن أعضاءً من البعثة الجزائرية أخفوا صورة للملك محمد السادس داخل فندق إقامتهم. وجرى تضخيم هذه الرواية وتقديمها كامتداد لحادثة 31 أكتوبر في الأمم المتحدة، حين قام الممثل المغربي بحجب العلم الجزائري أثناء جلسة حول الصحراء الغربية.
تعكس هذه "التماثلية المصطنعة" رغبة واضحة في الحفاظ على مستوى عالٍ من التوتر السردي.
شهادات مفبركة لخدمة رواية موجَّهة
كما انتشرت تسجيلات لأشخاص قُدّموا على أنهم جزائريون يطالبون بإعادة فتح الحدود، لكن ضعف إتقانهم للهجة الجزائرية وطبيعة المشاهد المسرحية أثارا سريعاً شكوك الجمهور. بدا واضحاً أن الهدف هو خلق انطباع بوجود رغبة شعبية جزائرية متوافقة مع الموقف المغربي، إلا أن الأثر كان عكسياً، إذ اعتُبرت العملية محاولة تضليل إعلامي مكشوفة.
سياق اجتماعي داخلي شديد التوتر
كل ذلك يحدث بينما يواجه المغرب أزمات اجتماعية خطيرة. فقد أدت انهيارات مبانٍ في فاس وفيضانات قوية في آسفي إلى كشف عجز واضح في قدرات التدخل واللوجستيات والبنية التحتية. وتناقض هذه الأزمات بشكل صارخ مع المبالغ الضخمة التي تُضخّ في تنظيم فعاليات رياضية دولية.
تزايد التوترات الإقليمية
تُسهم هذه الرسائل الرمزية والإعلامية في تعميق التوتر الجزائري‑المغربي. فالقرارات التي اتخذتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة — قطع العلاقات الدبلوماسية، إغلاق المجال الجوي، فرض التأشيرة — جاءت في سياق سلسلة من الاستفزازات التي أضافت طبقات جديدة من الانسداد في العلاقات الثنائية.
الرياضة والسياسة: مزيج محفوف بالمخاطر
إن تحويل بطولة قارية إلى منصة سياسية خطوة قد ترتد على أصحابها. فالإعلام لا يمكنه أن يخفي طويلاً الأزمات الاجتماعية ولا حالة التململ الشعبي ولا الاختلالات الهيكلية التي كشفتها الوقائع الأخيرة.
إن الخطاب الدعائي لا يعوّض حكماً رشيداً، بل قد يؤدي على المدى البعيد إلى تعزيز العزلة وفقدان الثقة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق