يشكّل إعلان وكالة ترقية الاستثمار في الجزائر عن تقدّم مشروع مركب الصلب التابع للمجمّع الصيني جينغدونغ ستيل خطوة مهمّة في مسار إعادة بعث الصناعة الثقيلة في البلاد. فحسب المعطيات الرسمية، بلغ معدل تقدّم الأشغال في الموقع الواقع بالمنطقة الصناعية دراع الهـاجة بولاية مسيلة نحو 60%، وهو ما يعكس التحول من مرحلة الوعود الاستثمارية إلى تنفيذ فعلي وملموس على الأرض.
يمثّل هذا الاستثمار، الذي تصل قيمته إلى 500 مليون دولار، أحد أكبر المشاريع الصناعية خارج قطاع المحروقات، ويؤكد متانة الشراكة الاقتصادية بين الجزائر والصين، إلى جانب رغبة الجزائر في الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية الخاصة بالصناعات المعدنية.
1. موقع استراتيجي في قلب ولاية مسيلة
استفاد المشروع من وعاء عقاري يمتد على 36 هكتاراً في المنطقة الصناعية دراع الهـاجة، حيث يشيد المجمّع الصيني وحدة متكاملة لإنتاج الفولاذ. وستبلغ القدرة الإنتاجية السنوية للمصنع 500 ألف طن من الفولاذ، نصفها موجّه للتصدير نحو الأسواق الخارجية.
ولا يمكن فصل اختيار هذا الموقع عن التحوّلات اللوجستية الداخلية التي تشهدها الجزائر، خصوصاً مع بروز ممرات صناعية جديدة تربط شرق البلاد بغربها وجنوبها. كما تكتسي المنطقة أهميّة إضافية بالنظر إلى مشاريع استغلال منجم غار جبيلات بولاية تندوف، الذي سيزوّد الصناعات المعدنية الوطنية بكميات ضخمة من خام الحديد في السنوات المقبلة.
2. تقدّم ملموس يعزّز مصداقية سياسة الاستثمار
طوال سنوات، كانت الجزائر تواجه انتقادات متكررة حول تأخر تجسيد المشاريع التي يُعلن عنها. غير أنّ وكالة ترقية الاستثمار اعتمدت اليوم مقاربة جديدة تقوم على عرض صور ميدانية وتحيينات دورية لإثبات تقدّم الأشغال على أرض الواقع.
وقد أكّدت الوكالة أنّ تسجيل المشاريع لم يعد مجرّد نوايا، بل أصبح عملية مترافقة مع تنفيذ فعلي، وهو ما يجسّده مشروع "جينغدونغ ستيل" الذي يُعدّ نموذجاً لتحويل الالتزامات الاستثمارية إلى منشآت صناعية قائمة.
3. قيمة مضافة للتشغيل والاندماج المحلي
من المزايا الرئيسية للمشروع قدرته على خلق 1.114 منصب عمل مباشر داخل الولاية، مع آلاف الوظائف غير المباشرة المتوقّعة في قطاعات الخدمات واللوجستيات والصيانة.
4. لبنة إضافية في مسار تطوير صناعة الصلب في الجزائر
لا يأتي مشروع "جينغدونغ ستيل" في فراغ، بل يندرج ضمن مسار واسع لإعادة هيكلة قطاع الحديد والصلب، عبر مشاريع استراتيجية أخرى، من بينها:
- مركّب توسيالي في وهران، أحد أكبر المنتجين في شمال إفريقيا.
- الشراكة الجزائرية – القطرية في مصنع بلارة بجيجل.
- جهود تحديث مركّب الحجار في عنابة.
- الانطلاق في استغلال منجم غار جبيلات، المكسب المعدني الضخم للجزائر.
يسهم ذلك في وضع الجزائر على سكة التحول إلى قطب إقليمي في إنتاج الحديد والصلب، قادر على تلبية احتياجات السوق الوطني والتوجه نحو التصدير.
5. شراكة جزائرية – صينية تتجه نحو إنتاج القيمة
يعكس المشروع توجهاً جديداً في العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والصين، يقوم على:
- نقل التكنولوجيا بدل مجرد التوريد،
- الاستثمار في الصناعة التحويلية الثقيلة،
- تعزيز الاندماج المحلي بدل الاعتماد على الاستيراد،
- تنويع الاقتصاد الجزائري عبر مشاريع إنتاجية ذات أثر طويل المدى.
وبذلك لم تعد الجزائر مجرد سوق، بل فضاءً صناعياً جذاباً للمؤسسات العالمية الباحثة عن موقع إنتاج استراتيجي في المتوسط وإفريقيا.
خاتمة: مشروع يرسّخ التحول الصناعي في الجزائر
يمثل مشروع مصنع الصلب في مسيلة حجر زاوية في استراتيجية الجزائر الاقتصادية الجديدة، نظراً لـ:
- قيمة استثمارية تبلغ 500 مليون دولار،
- قدرة إنتاجية ضخمة تصل إلى 500 ألف طن سنوياً،
- أكثر من ألف وظيفة مباشرة،
- نسبة اندماج محلي مرتفعة (80%)،
- تقدم ميداني يُقدّر بـ 60%.
كل ذلك يجعل من هذا المشروع رافعة حقيقية نحو بناء قاعدة صناعية قوية، قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً، وعلى إرساء أسس اقتصاد متنوع ومستدام.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق