التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في أسبوع واحد، محت الجزائر عشر سنوات من الكذب المغربي في أفريقيا

 منذ عودته إلى الاتحاد الأفريقي، ضاعف المغرب من الإعلانات المتضخّمة التي يُفترض أن تجسّد طموحًا بانأفريقيًا متجدّدًا. إلا أن هذه المشاريع، التي تُقدَّم غالبًا كرافعات للتكامل جنوب–جنوب، تعجز في معظمها عن تجاوز مرحلة التواصل الإعلامي، وتنتهي إلى التشابه في غياب أي تنفيذ ملموس.

ومن بين هذه المبادرات نذكر على وجه الخصوص:

  • الوعد ببناء عاصمة لجنوب السودان؛
  • مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب؛
  • ممر للوصول إلى الأطلسي موجَّه لدول الساحل؛
  • وكذلك كابل كهربائي يُفترض أن يربط المغرب بالمملكة المتحدة، رغم أن البلاد تعتمد هيكليًا على واردات الكهرباء من إسبانيا.

وفي هذا السياق، شكّل إعلان الرئيس عبد المجيد تبون عن الانطلاق الفعلي لأشغال أنبوب الغاز الجزائر–النيجر–نيجيريا داخل الأراضي النيجيرية نقطة تحول كبرى، ما قلّص بشكل ملحوظ من نطاق المشروع المنافس الذي تتبناه الرباط. كما شكّلت زيارة الجنرال تياني إلى الجزائر مناسبة للكشف عن مشروع الميناء الجاف في أغاديز، المزمع ربطه بتمنراست، وهذه الأخيرة بخطوط سكك حديدية متصلة بالموانئ الجزائرية.

وفي تسلسل دبلوماسي واحد، تراجعت روايتان ظلّ المغرب يروّج لهما طويلًا، مظهرتين أن بعض المشاريع كانت أقرب إلى أهداف سياسية منها إلى استراتيجية حقيقية للتنمية القارية. في المقابل، تبرز الجزائر عبر إنجاز مشاريع ملموسة ومنهجية تعزّز مصداقيتها لدى شركائها الأفارقة.

دبلوماسية الإعلان الدائم

يرتكز السرد المغربي على فكرة رئيسية: تقديم المملكة كقائدة للقارة وللتعاون جنوب–جنوب.
على الورق، تبدو المشاريع المعروضة طموحة، بل وحتى استعراضية في بعض الأحيان؛ لكن ما إن يحين وقت الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ، حتى يظهر جليًا الفارق بين الوعد والواقع.

1. وعد بناء عاصمة جنوب السودان

من أغرب الإعلانات، وعد المغرب بالمساهمة في بناء عاصمة جديدة لجنوب السودان. ورغم تقديمه كخطوة تضامنية أفريقية، بقي المشروع في حدود التصريحات فقط، دون أي تقدم هيكلي يؤكد جدية الالتزام.

2. أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب: مشروع جيوسياسي قبل أن يكون طاقويًا

قدّم المغرب مشروع أنبوب غاز يربط نيجيريا بالمغرب على طول الساحل الأطلسي الغربي كأحد المشاريع الهيكلية للتكامل الإقليمي.
لكن تكلفته الباهظة، وتعقيداته التقنية، والمخاطر الأمنية التي يواجهها، كلها أثارت دائمًا شكوكًا كبيرة حول قابليته للتطبيق.

في المقابل، يظهر المشروع المنافس، أي أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي تقوده الجزائر ويربط الجزائر بالنيجر ونيجيريا، أكثر مباشرة، وأقصر مسافة، ومعتمدًا على بنى تحتية قائمة.

إن إعلان الرئيس عبد المجيد تبون مؤخرًا عن بدء أشغال الأنبوب على الأراضي النيجيرية يشكّل نقطة تحول استراتيجية، ويضعف بصورة كبيرة مصداقية مشروع نيجيريا–المغرب الذي يبقى نظريًا إلى حدّ كبير.

3. الممر الأطلسي لدول الساحل

مشروع آخر روّج له المغرب يتمثل في إنشاء ممر لوجستي يتيح لدول الساحل منفذًا إلى المحيط الأطلسي عبر الأراضي المغربية.
لكن هذا الطرح يقوم على فرضية جيوسياسية أساسية: دمج الصحراء الغربية ضمن المجال الترابي المغربي، وهي شرط ضمني لجدوى الممر.

وهذا يكشف البعد الاستراتيجي الحقيقي: إذ يُستخدم خطاب التنمية لإضفاء شرعية اقتصادية على ضمّ الصحراء الغربية.

أعلن الرئيس تياني في الجزائر عن الشروع في إنشاء ميناء جاف في أغاديز، شمال النيجر، ليصبح عقدة لوجستية محورية في المنطقة. وسيُربط هذا الميناء بالجزائر، التي أطلقت مشروعًا واسع النطاق لربط عاصمتها الصحراوية تمنراست بموانئها على البحر المتوسّط. وقد أكد الرئيس تبون وصول السكك الحديدية إلى تمنراست قبل نهاية سنة 2027. ومن دون ضجيج أو استعراض، تعرض الجزائر على النيجر ربطًا موثوقًا بين الميناء الجاف لأغاديز وموانئها القادرة على ضمان انسيابية المبادلات عبر الساحل والصحراء.

4. كابل الكهرباء المغرب–بريطانيا

يحظى مشروع كابل بحري يُفترض أن يزوّد المملكة المتحدة بالكهرباء من المغرب بتغطية إعلامية واسعة.
لكن المفارقات عديدة:

  • المغرب غير مكتفٍ ذاتيًا كهربائيًا؛
  • يستورد أكثر من 20% من كهربائه من إسبانيا؛
  • اعتماده الطاقوي هيكلي.

لذلك يبدو طموح تصدير الكهرباء إلى أوروبا فيما التوازن الطاقوي الداخلي هشًّا، سببًا كافيًا لشكوك الخبراء.


الديناميكية الجزائرية: من الخطاب إلى التنفيذ

على النقيض من ذلك، أسفرت زيارة الجنرال عبد الرحمن تياني إلى الجزائر عن إعلانات مرتبطة مباشرة بمشاريع قابلة للتنفيذ.

فقد أعلن رئيس النيجر مشروع إنشاء ميناء جاف في أغاديز، سيرتبط بتمنراست، وهذه بدورها متصلة بخطوط السكك الحديدية المؤدية إلى الموانئ الجزائرية على المتوسط.
وتندرج هذه الهندسة اللوجستية ضمن رؤية عابرة للصحراء، تعتمد على بنى تحتية منجزة أو قيد الإنجاز.

وفي زيارة واحدة فقط، تزعزعت روايتان مغربيتان:

  • مشروع أنبوب نيجيريا–المغرب، الذي بات يواجه مشروعًا أقصر وأكثر تقدمًا.
  • مشروع الممر الأطلسي، الذي حلّت محله بدائل صحراوية عملية تربط الساحل بالموانئ الجزائرية.


الوحدة الأفريقية الخطابية مقابل تعاون هيكلي

تعتمد الاستراتيجية المغربية منذ عودتها إلى الاتحاد الأفريقي على دبلوماسية اقتصادية قائمة على الصورة:
منتديات، اتفاقيات نوايا، توقيعات رمزية، وإعلانات تحمل طابعًا إعلاميًّا قويًا.

بالمقابل، ترتكز المقاربة الجزائرية على مشاريع ذات تجسيد ميداني:
الطرق العابرة للصحراء، الربط الطاقوي، البنى التحتية اللوجستية، والشراكات الأمنية.

وهنا تتواجه رؤيتان للتكامل الأفريقي:

  • تكامل قائم على الإعلانات وأهداف جيوسياسية غير مباشرة؛
  • تكامل يعتمد على الجغرافيا والموارد والتنفيذ الفعلي للبنى التحتية.


المصداقية والقيادة القارية

لا تُقاس مصداقية الدول في أفريقيا بعدد البيانات الصادرة، بل بقدرتها على تحويل الوعود إلى منشآت قيد التشغيل.

فبينما سعى المغرب إلى تقديم نفسه كبوابة أفريقيا إلى أوروبا، تعمل الجزائر على ترسيخ موقعها كمحور طاقوي ولوجستي عابر للصحراء.

وفي هذا الإطار، تعيد الديناميكية التي أطلقتها الجزائر مع النيجر ونيجيريا رسم التوازنات الإقليمية، وتؤكد أن التنمية القارية تحتاج إلى مشاريع حقيقية أكثر مما تحتاج إلى شعارات.

فأفريقيا لا تحتاج إلى مشاريع واجهات، بل إلى بنى تحتية حقيقية: مُموّلة، مُنجَزة، ومُستغلة. وعلى هذا الأساس تُخاض اليوم معركة المصداقية.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...