منذ عودته إلى الاتحاد الأفريقي، ضاعف المغرب من الإعلانات المتضخّمة التي يُفترض أن تجسّد طموحًا بانأفريقيًا متجدّدًا. إلا أن هذه المشاريع، التي تُقدَّم غالبًا كرافعات للتكامل جنوب–جنوب، تعجز في معظمها عن تجاوز مرحلة التواصل الإعلامي، وتنتهي إلى التشابه في غياب أي تنفيذ ملموس.
ومن بين هذه المبادرات نذكر على وجه الخصوص:
- الوعد ببناء عاصمة لجنوب السودان؛
- مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب؛
- ممر للوصول إلى الأطلسي موجَّه لدول الساحل؛
- وكذلك كابل كهربائي يُفترض أن يربط المغرب بالمملكة المتحدة، رغم أن البلاد تعتمد هيكليًا على واردات الكهرباء من إسبانيا.
وفي هذا السياق، شكّل إعلان الرئيس عبد المجيد تبون عن الانطلاق الفعلي لأشغال أنبوب الغاز الجزائر–النيجر–نيجيريا داخل الأراضي النيجيرية نقطة تحول كبرى، ما قلّص بشكل ملحوظ من نطاق المشروع المنافس الذي تتبناه الرباط. كما شكّلت زيارة الجنرال تياني إلى الجزائر مناسبة للكشف عن مشروع الميناء الجاف في أغاديز، المزمع ربطه بتمنراست، وهذه الأخيرة بخطوط سكك حديدية متصلة بالموانئ الجزائرية.
وفي تسلسل دبلوماسي واحد، تراجعت روايتان ظلّ المغرب يروّج لهما طويلًا، مظهرتين أن بعض المشاريع كانت أقرب إلى أهداف سياسية منها إلى استراتيجية حقيقية للتنمية القارية. في المقابل، تبرز الجزائر عبر إنجاز مشاريع ملموسة ومنهجية تعزّز مصداقيتها لدى شركائها الأفارقة.
دبلوماسية الإعلان الدائم
1. وعد بناء عاصمة جنوب السودان
من أغرب الإعلانات، وعد المغرب بالمساهمة في بناء عاصمة جديدة لجنوب السودان. ورغم تقديمه كخطوة تضامنية أفريقية، بقي المشروع في حدود التصريحات فقط، دون أي تقدم هيكلي يؤكد جدية الالتزام.
2. أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب: مشروع جيوسياسي قبل أن يكون طاقويًا
في المقابل، يظهر المشروع المنافس، أي أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي تقوده الجزائر ويربط الجزائر بالنيجر ونيجيريا، أكثر مباشرة، وأقصر مسافة، ومعتمدًا على بنى تحتية قائمة.
إن إعلان الرئيس عبد المجيد تبون مؤخرًا عن بدء أشغال الأنبوب على الأراضي النيجيرية يشكّل نقطة تحول استراتيجية، ويضعف بصورة كبيرة مصداقية مشروع نيجيريا–المغرب الذي يبقى نظريًا إلى حدّ كبير.
3. الممر الأطلسي لدول الساحل
وهذا يكشف البعد الاستراتيجي الحقيقي: إذ يُستخدم خطاب التنمية لإضفاء شرعية اقتصادية على ضمّ الصحراء الغربية.
4. كابل الكهرباء المغرب–بريطانيا
- المغرب غير مكتفٍ ذاتيًا كهربائيًا؛
- يستورد أكثر من 20% من كهربائه من إسبانيا؛
- اعتماده الطاقوي هيكلي.
لذلك يبدو طموح تصدير الكهرباء إلى أوروبا فيما التوازن الطاقوي الداخلي هشًّا، سببًا كافيًا لشكوك الخبراء.
الديناميكية الجزائرية: من الخطاب إلى التنفيذ
على النقيض من ذلك، أسفرت زيارة الجنرال عبد الرحمن تياني إلى الجزائر عن إعلانات مرتبطة مباشرة بمشاريع قابلة للتنفيذ.
وفي زيارة واحدة فقط، تزعزعت روايتان مغربيتان:
- مشروع أنبوب نيجيريا–المغرب، الذي بات يواجه مشروعًا أقصر وأكثر تقدمًا.
- مشروع الممر الأطلسي، الذي حلّت محله بدائل صحراوية عملية تربط الساحل بالموانئ الجزائرية.
الوحدة الأفريقية الخطابية مقابل تعاون هيكلي
وهنا تتواجه رؤيتان للتكامل الأفريقي:
- تكامل قائم على الإعلانات وأهداف جيوسياسية غير مباشرة؛
- تكامل يعتمد على الجغرافيا والموارد والتنفيذ الفعلي للبنى التحتية.
المصداقية والقيادة القارية
لا تُقاس مصداقية الدول في أفريقيا بعدد البيانات الصادرة، بل بقدرتها على تحويل الوعود إلى منشآت قيد التشغيل.
فبينما سعى المغرب إلى تقديم نفسه كبوابة أفريقيا إلى أوروبا، تعمل الجزائر على ترسيخ موقعها كمحور طاقوي ولوجستي عابر للصحراء.
وفي هذا الإطار، تعيد الديناميكية التي أطلقتها الجزائر مع النيجر ونيجيريا رسم التوازنات الإقليمية، وتؤكد أن التنمية القارية تحتاج إلى مشاريع حقيقية أكثر مما تحتاج إلى شعارات.
فأفريقيا لا تحتاج إلى مشاريع واجهات، بل إلى بنى تحتية حقيقية: مُموّلة، مُنجَزة، ومُستغلة. وعلى هذا الأساس تُخاض اليوم معركة المصداقية.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق