عودة الجزائر بقوة إلى فضاء «تحالف دول الساحل» (AES): دبلوماسية الطاقة كرافعة نفوذ… و«فكّ الارتباط» التدريجي مع باماكو
بعد أزمة 2025 التي فجّرتها حادثة إسقاط طائرة مسيّرة مالية قرب تين زاواتين وما تلاها من سحب متزامن للسفراء بين الجزائر ودول «تحالف دول الساحل» (مالي–النيجر–بوركينا فاسو)، بدا المشهد وكأن الجزائر دخلت مرحلة انكماش دبلوماسي جنوبًا. لكن مطلع 2026 كشف مسارًا معاكسًا: عودة تدريجية للجزائر إلى قلب التوازنات داخل الفضاء AES عبر أدوات عملية (الطاقة، المناجم، سلاسل الإمداد، وتثبيت قنوات الحوار)، مع تركيز واضح على نيامي وواغادوغو، بينما تبقى العلاقة مع باماكو في حالة «جليد سياسي».
اللافت أن هذه العودة لا تقوم على خطاب سياسي مرتفع النبرة، بل على «لغة المصالح»: مشاريع أنبوب الغاز العابر للصحراء، تعاون نفطي، منتجات مكررة وتخزين وتوزيع، وتبادل خبرات. وهذا النوع من الشراكات يصنع اعتمادًا متبادلاً يصعب كسره بالانفعالات الآنية، وهو ما يمنح الجزائر هامشًا أوسع لإعادة التموضع في الساحل.
أولاً: المحور النيجرِي… تطبيع دبلوماسي يفتح الباب لإعادة هندسة الإقليم
1) «12 فبراير 2026»: لحظة تطبيع رمزية ومؤسِّسة
في 12 فبراير 2026 عاد سفير النيجر في الجزائر إلى ممارسة مهامه، وبالتوازي وجّه الرئيس الجزائري تعليمات بعودة السفير الجزائري إلى نيامي «بأثر فوري». هذا التطور لم يكن بروتوكوليًا فحسب، بل أُعلن بوصفه خطوة لإحياء «تقليد الحوار السياسي على أعلى مستوى» وإعادة تشغيل التعاون متعدد المجالات وتثبيت مشاريع استراتيجية.
أهمية هذه الخطوة أنها تعني—سياسيًا—أن نيامي قررت فصل مسارها عن التوتر الجزائري–المالي الذي سحبها إلى أزمة 2025 «كارتداد إقليمي»، وأن الجزائر من جهتها اختارت إعادة فتح القنوات مع شريك حدودي لا غنى عنه.
2) خلفية الأزمة: من «حادثة المسيّرة» إلى منطق «تفكيك الجبهة»
في ربيع 2025 اتهمت باماكو الجزائر بإسقاط مسيّرة مالية «على أراضٍ مالية»، بينما قالت الجزائر إن الطائرة انتهكت أجواءها، لتردّ دول AES بسحب سفرائها من الجزائر، وتتخذ الجزائر إجراءات «مقابلة» شملت سحب سفراء/تأجيل اعتماد، إلى جانب قيود جوية متبادلة بين الجزائر ومالي حسب تقارير متعددة. [
اليوم، عودة السفيرين بين الجزائر والنيجر تعني عمليًا أن «التضامن التلقائي» داخل AES الذي ظهر في 2025 لم يعد يعمل بالوتيرة نفسها، وأن الجزائر استطاعت إعادة فتح «خط حيوي» مع نيامي بمعزل عن القطيعة مع باماكو.
ثانياً: الطاقة كـ«لغة مشتركة»… زيارة أركاب إلى نيامي وملف «كافرا»
1) 26 يناير 2026: السياسة تتقدم عبر باب الطاقة
التحول لم يبدأ في 12 فبراير فقط، بل سبقته زيارة وزير الدولة الجزائري المكلف بالمحروقات والمناجم محمد عرقاب إلى نيامي في 26 يناير 2026 رفقة وفد رفيع شمل مسؤولي سوناطراك و(SIPEX). الزيارة وُصفت بأنها لإعادة إطلاق التعاون الطاقوي ومراجعة تقدم المشاريع المشتركة، وعلى رأسها حقل/بلوك كافرا ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP).
هذا مهم لأن الطاقة هنا ليست «صفقة»، بل أداة بناء ثقة: عندما تُنشئ الدول لجانًا تقنية وتمويلًا وخططًا تنفيذية، يصبح من الصعب العودة إلى القطيعة دون تكلفة اقتصادية وسياسية عالية.
2) «كافرا» كجسر جيو-اقتصادي
ملف كافرا (شمال النيجر/قرب الحدود) يُقدَّم كرافعة للتقارب، لأنه يربط بين مصالح النيجر في تطوير الموارد ومصالح الجزائر في حضور استثماري جنوبًا وتثبيت أمن الحدود وسلاسل التوريد. وبغض النظر عن الأرقام التفصيلية المتداولة في بعض المنصات، فإن الثابت في المصادر أن كافرا كان بندًا مركزيًا في محادثات يناير 2026، بما يعني أن التعاون النفطي عاد ليكون «العنوان» الذي تُبنى عليه المصالحة.
ثالثاً: مشروع TSGP… من فكرة «طموحة» إلى ركيزة إعادة التموضع الجزائري في الساحل
1) مواصفات المشروع ورهانه الاستراتيجي
يُعرَّف أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) بأنه مشروع يربط الغاز النيجيري بالجزائر مرورًا بالنيجر، بطول يقارب 4200 كلم وبقدرة نقل تتراوح 20–30 مليار متر مكعب سنويًا، وبكلفة تقديرية تقارب 13 مليار دولار، وفق بيانات رسمية/شبه رسمية وتقارير متخصصة.
ميزة الجزائر هنا أنها تمتلك خبرة بنية تحتية غازية واتصالًا بأسواق المتوسط، ما يجعلها «حلقة الإخراج» للمشروع نحو الشمال، بينما تمثل نيامي «حلقة العبور» التي لا بديل جغرافيًا عنها داخل هذا المسار.
2) فبراير 2025: تثبيت مؤسسي عبر عقود Penspen واتفاقيات تشغيل
في 11 فبراير 2025 شاركت سوناطراك في اجتماع لجنة توجيه TSGP بالجزائر، وانتهى بتوقيع عقد تحديث دراسة الجدوى مع مكتب الدراسات البريطاني PENSPEN، إضافة إلى اتفاق «تعويض/تقاسم مصاريف الدراسة» واتفاق «عدم إفشاء (NDA)» بين سوناطراك وNNPC (نيجيريا) وSONIDEP (النيجر). هذا يعني أن المشروع دخل مرحلة «هندسية–تعاقدية» أكثر جدية من مرحلة النوايا.
من زاوية النفوذ، TSGP ليس مجرد أنبوب؛ إنه منصة تعاون قاري تُجبر الفاعلين على التنسيق الأمني واللوجستي والمالي. لذلك فإن إعادة تطبيع العلاقات مع نيامي تعيد للمشروع «قابليته السياسية»، وتُظهر الجزائر كفاعل قادر على بناء مسارات استقرار عبر مشاريع هيكلية.
رابعاً: بوركينا فاسو… توسيع العودة عبر «سلسلة القيمة» (منتجات مكررة، توزيع، كهرباء، تكوين)
1) زيارة واغادوغو: دبلوماسية اقتصادية ثقيلة الوزن
بالتوازي مع مسار النيجر، وصل الوزير محمد عرقاب إلى واغادوغو ضمن زيارة عمل تهدف لتعزيز التعاون الثنائي، رفقة وفد يضم وزير الطاقة، والمدير العام لسوناطراك، والمدير العام لنافتال، وإطارات من قطاعات المحروقات والمناجم والطاقة. الهدف المعلن: بحث توسيع التعاون في الطاقة والمناجم والهيدروكربونات، وتبادل الخبرات وخلق فرص استثمار مشتركة.
هذه الصيغة تعكس «عرضًا جزائريًا» مختلفًا: ليس مجرد تعاون دبلوماسي، بل حزمة تشغيلية يمكن أن تترجم سريعًا إلى اتفاقات توريد وتخزين وتوزيع وتكوين، وهي ملفات حساسة لدولة ساحلية-برية تواجه ضغوطًا أمنية واقتصادية. [
2) من الخطاب إلى التنفيذ: متابعة ومشاريع ملموسة
وفق ما نقلته مصادر جزائرية، شملت النقاشات جوانب عملية (الإمداد بالمنتجات المكررة، دعم منظومات التخزين والتوزيع، مشاريع غاز البوتان، تعاون كهربائي وطاقات متجددة، وتكوين ونقل خبرة) مع آليات متابعة لضمان التنفيذ. هذا النوع من التفاصيل يشير إلى أن الجزائر لا تريد «تطبيعًا شكليًا» بل «تركيب شراكة».
خامساً: مالي… «عزل نسبي» لا يحتاج إعلانًا مباشرًا
1) لماذا تبقى باماكو خارج مسار الدفء؟
تقارير حديثة تشير إلى أن العلاقات بين الجزائر ومالي ما تزال «باردة جدًا»، مع استمرار اتهامات متبادلة حول ملفات أمنية/تدخل/جماعات مسلحة، في حين أن الجزائر فتحت صفحة جديدة مع نيامي وتتحرك اقتصاديًا مع واغادوغو.
هنا يصبح مفهوم «عزل مالي» أدق إذا قُدِّم كـنتيجة لا كـهدف: حين تربح الجزائر شراكات فعّالة مع بلدين من أصل ثلاثة داخل AES، تتراجع قدرة باماكو على تحويل الخلاف إلى موقف جماعي دائم داخل التحالف. هذا هو «فك الارتباط» الذي يُضعف الخصم دون مواجهة مباشرة.
2) كيف تعمل آلية «التفكيك»؟
- إعادة بناء الثقة الثنائية مع النيجر عبر الدبلوماسية والملفات الطاقوية (كافرا/TSGP).
- فتح مسار تعاون اقتصادي عملي مع بوركينا فاسو على مستوى سلسلة القيمة (سوناطراك/نافتال/طاقة وكهرباء).
- ترك مالي أمام خيارين: إما الاستمرار في التصعيد وحدها، أو القبول تدريجيًا بقنوات تهدئة/تنسيق حين تفرض الوقائع الأمنية والجغرافيا ذلك.
سادساً: ماذا يعني هذا إقليميًا؟ «الاستقرار عبر المشاريع» بدل الاستقطاب
عودة الجزائر إلى الساحل عبر الطاقة قد تُقرأ كرسالة استقرار: مشروع مثل TSGP يتطلب أمن طرق، وتنسيق حدود، وحوكمة تقنية—أي أنه يخلق «بيئة مصالح» تقلل من قابلية الانفجار السياسي السريع.
كما أن تحرك الجزائر نحو بوركينا فاسو والنيجر ينسجم مع منطق «الجنوب–الجنوب» الذي تبحث عنه دول AES لتقليل الاعتماد على مسارات خارجية، مع فارق أن الجزائر تقدم نفسها كشريك إقليمي قريب يمتلك شركات تشغيل وخبرة قابلة للنقل.
خاتمة: هل هي «عودة نفوذ» أم «عودة وظائف»؟
الأقرب أنها عودة وظائف: الجزائر تعود لأنها تقدم ما تحتاجه دول الساحل الآن—طاقة، خبرة، مشاريع، وقنوات سياسية—وتحقق بالمقابل ما تحتاجه هي: حدود أكثر هدوءًا، حضورًا اقتصاديًا جنوبًا، واستعادة دور «قوة موازِنة» في فضاء صحراوي–ساحلي شديد التنافس.
أما مالي، فبقاء الخلاف معها لا يمنع الجزائر من ترميم موقعها داخل فضاء AES عبر بوابتين (نيامي وواغادوغو). وإذا استمر هذا المسار، فإن «العزل النسبي» لباماكو سيستمر كنتيجة طبيعية لتقدم الشراكات الجزائرية مع حلفائها داخل التحالف، لا كحملة معلنة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق