تكشف المشاورات التي احتضنتها مدريد حول الصحراء الغربية، تحت رعاية مباشرة من الولايات المتحدة، عن انتقالٍ نوعيّ في إدارة الملف: واشنطن تمسك الآن بدفّة الإيقاع السياسي، فيما يتراجع الدور القيادي للأمم المتحدة إلى مرتبة المراقب، وهو ما تؤكّده تقارير متطابقة من وسائل إعلام إسبانية ودولية وإقليمية.
1) إطار تفاوضي غير مسبوق: واشنطن «تقود» والامم المتحدة تراقب
وفق معلومات كشفتها وسائل إعلام مرموقة، التأم في 8 فبراير/شباط 2026 اجتماع «مغلق» داخل مقرّ السفارة الأميركية بمدريد، بمشاركة أربع وفود رفيعة: المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو، مع حضور المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا بصفة أقرب إلى «الملاحظ» لا «المحرّك»، في حين تصدّر المشهد كلٌّ من ماساد بُولُص المكلّف بالملف الإفريقي، ومايكل وُلتز سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. هذا الاجتماع جاء استكمالًا لجولة سرّية سابقة في واشنطن قبل نحو أسبوعين، ما يشي بأن واشنطن انتقلت من دور «الميسّر» إلى دور «المُخرج».
هذا التموضع الأميركي لا يغيّر فقط في الشكل؛ بل يفرض من حيث الجوهر تسلسلًا تفاوضيًا جديدًا، يدمج الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية بالإطار القانوني الأممي، ويضع الأطراف أمام جداول زمنية و«منتجات» تفاوضية ملموسة أكثر من ذي قبل.
2) نحو «هندسة» تقنية متعددة الأطراف: تضييق هامش المناورة على الرباط
تُظهر روايات متقاطعة أن مسار مدريد يتّجه إلى تأسيس مقاربة أكثر «تقنية» و«متعددة الأطراف»، تضم خبراء قانونيين وسياسيين بإشراف أميركي/أممي، وهو ما يحدّ من رغبة الرباط في إبقاء النقاش محصورًا في مبادرتها للحُكم الذاتي وحدها. فالتغطيات الصحفية تُبرز أن بنية النقاش تميل إلى تفكيك الجوانب القانونية والعملية والتنفيذية على نحوٍ يفرز آليات متابعة ـ لجنة أو فرق عمل ـ تتجاوز منطق السجال السياسي العام.
بالنسبة للمغرب، تعني «التقنية المتعددة» خسارة بعض السيطرة السردية على الملف؛ إذ يصبح الملزم هو الإجابة على أسئلة قابلة للقياس حول الاختصاصات، الضمانات، وآليات التنفيذ، وليس الاكتفاء بتأكيدات سيادية عامة.
اقرأ أيضاً: تحليل خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية: الشرعية الدولية، وإدارة الموارد، والآفاق الديمقراطية
3) مبادرة الحكم الذاتي المغربية بنسختها «الموسّعة»: سقف أميركي أعلى من الطرح الحالي
قدّم المغرب في مدريد نسخة مُحدّثة ومطوّلة من مبادرة الحكم الذاتي تصل إلى نحو 40 صفحة، مقارنةً بصيغة 2007 المقتضبة. غير أنّ التقييمات المنقولة عن مصادر إسبانية وأميركية تفيد بأن الوثيقة ـ وإن كانت أكثر تفصيلًا ـ لا تزال دون السقف الذي تعتبره واشنطن ضروريًا لـ«حكم ذاتي فعلي»، بما يشمل ـ وفق هذه التقييمات ـ تغييرات دستورية جوهرية في بنية الدولة المغربية الممركزة.
في المقابل، يظلّ مطلب الاستفتاء على تقرير المصير — الركن المركزي في سردية الجزائر والبوليساريو — خارج الإطار الذي تدفع إليه واشنطن حاليًا، ما يخلق مفارقة ضاغطة على الرباط: إما الارتقاء بمدى «الحكم الذاتي» داخليًا (بكلفة سياسية ودستورية عالية)، أو المجازفة بإغضاب الراعي الأميركي الذي يريد إنضاج تسوية «عملية» قابلة للتنفيذ.
4) الجزائر: من «الطرف الحاسم» إلى «شريك الإطار»
تتّفق تحليلات متعددة على أنّ أي مسار ذي مصداقية يستحيل من دون الجزائر، ليس فقط لدعمها التاريخي للبوليساريو، بل لكونها الحاضنة الجغرافية والسياسية والضامن القانوني لمبدأ تقرير المصير ضمن الشرعية الدولية. حضور الجزائر في مدريد يتسق مع خطّها الثابت: قضية تصفية استعمار لا تُحلّ خارج قرارات الأمم المتحدة والإطار المتعدد، مع استعداد للانخراط ما دام المسار غير «مقفَل» على خيار واحد.
عمليًا، يُكرّس هذا الحضور دور الجزائر كـ«شريك إطار» يملك قدرة تعطيل أو تسهيل، ويعني أنّ أي تفاهمات ثنائية مغربية‑بوليساريوية ستبقى غير كافية ما لم تُقنع الجزائر بجدوى مآلاتها القانونية والسياسية والأمنية.
5) مؤشرات توتّر: صمتٌ إعلامي ورفض صورة جماعية
اختُتمت اجتماعات مدريد من دون مؤتمر صحفي أو بيان ختامي، كما سُجّل رفضٌ من الوفدين الصحراوي والجزائري لالتقاط صورة جماعية مع الوفد المغربي رغم مساعي الأميركيين، ما يعكس هشاشة التوازنات وعمق الخلافات حول «جوهر» التسوية، وليس فقط ترتيباتها الإجرائية. هذه التفاصيل ـ وإن بقيت خارج البلاغات الرسمية ـ تتسق مع نمط السرية والتكتّم الذي أحاط بالجولات الحالية.
6) واشنطن تُجدول المرحلة التالية: مايو/أيار 2026 محطة حاسمة
تفيد تسريبات إعلامية بأن الجولة القادمة ستنتقل إلى واشنطن في مايو/أيار 2026، مع احتمال عقد جلسة ثالثة هناك أيضًا، ما يكرّس «أمركة» متدرّجة للمسار ويُبقي الأطراف ضمن روزنامة تفاوضية ضاغطة تضع «اتفاقًا‑إطارًا سياسيًا» كهدف قريب. هذا التموضع يضيّق على الرباط هوامش تدوير الزوايا منفردة، ويُبقي الجزائر والبوليساريو في قلب كل خطوة لاحقة.
خلاصة تحليلية: ميزان قوى تفاوضي يتغيّر على حساب الرباط
- قيادة أميركية مباشرة، مع حضور أممي مؤطِّر لا مقرِّر، تعيد صياغة قواعد اللعبة.
- مقاربة تقنية ومتعددة الأطراف تُضعف فاعلية السردية الأحادية وتدفع نحو التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
- خطة الحكم الذاتي المغربية في نسختها الموسّعة تواجه سقفًا أميركيًا أعلى يتطلّب تعديلات دستورية، وإلا تعرّضت لفقدان زخم الراعي.
- الجزائر تترسّخ كفاعل لا غنى عنه، ما يُصعّب أي تجاوز لها أو تحييد دورها.
في هذه الخلفية، يبدو موقف المغرب أكثر تعقيدًا: فاستراتيجية «تغليب مبادرة الحكم الذاتي» مع عزل البوليساريو وتقليص دور الجزائر تصطدم اليوم بمسار تفاوضي أميركي‑المحور، متعدّد الأطر، قانوني‑تنفيذي الوجهة، يطالب الجميع ـ وبالأخص الرباط ـ بإجابات ملموسة لا شعارات عامة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
للاطلاع على التغطيات المصدرية:
- تقرير TV5MONDE عن «مفاوضات سرّية بمدريد تحت إشراف أميركي» (8 فبراير/شباط 2026). [informatio...5monde.com]
- تغطية Médias24 وEntreprises du Maroc المستندة إلى تسريبات El Confidencial بشأن الاجتماع الرباعي وتفاصيل الخطة المغربية المُحدّثة. [medias24.com], [librentreprise.ma]
- تحليلات Afrik.com حول مركزية الجزائر وميل المسار إلى مقاربة قانونية‑متعددة. [afrik.com]
- قراءات سياقية إضافية في الصحافة الإقليمية حول النسخة الموسّعة من مبادرة الحكم الذاتي ومتطلبات واشنطن.
تعليقات
إرسال تعليق