من العملية «الحزم المطلق» إلى انعكاساتها النفطية على الجزائر – تحليل معمّق
تسلسل زمني دقيق لليلة 3 يناير (التوقيت المحلي)
قبل الثانية فجرًا بقليل، استيقظت كاراكاس على سلسلة انفجارات متبوعة بأصوات طائرات تحلّق على ارتفاع منخفض. شهادات وصور التقطت دخانًا قرب منشآت عسكرية—لا سيما قاعدة «لا كارلوتا»—إلى جانب انقطاعات كهرباء في أحياء متعددة. وذكرت تقارير أولية وقوع ما لا يقلّ عن سبع تفجيرات واستمرار التحليق على مدى ساعة تقريبًا فوق العاصمة.
وفي هذا الإطار الزمني ذاته، بدأت وسائل الإعلام الدولية تحديد مواقع الأثر والدخان حول مرافق رئيسية مثل «فويرتي تيونا»، فيما ندّدت السلطات الفنزويلية بـ«عدوان عسكري» استهدف مواقع مدنية وعسكرية في كاراكاس وولايات ميرندا، أراغوا، ولا غوايرا، معلنة حالة الطوارئ.
تزامنًا، انتشرت على الشبكات الاجتماعية مقاطع تظهر مروحيات تُنسب إلى قوات العمليات الخاصة الأميركية (160th SOAR)، من طراز MH‑47 وربما MH‑60، تحلّق على ارتفاع منخفض فوق العاصمة، في نمط يوحي بعملية اقتحام—اختراق، انتشال هدف، وتأمين قريب.
الإشعارات الرسمية وإجراءات التحذير
لم تقدّم واشنطن على الفور سردًا عملياتيًا مفصّلًا، لكن وكالات ومنافذ أميركية نقلت، بعد بزوغ الفجر، إعلان الرئيس دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة نفّذت «ضربة واسعة النطاق» وأن نيكولاس مادورو وزوجته قد أُسرا ونُقلا إلى الولايات المتحدة؛ فيما لم تُعلن الجهات الأميركية في تلك اللحظة موقع الاحتجاز ولا سلسلة التنفيذ بدقة.
أمنيًا، أصدرت البعثة الأميركية تحذيرًا عاجلًا: موقع السفارة الأميركية المكلفة بملف فنزويلا من بوغوتا دعا المواطنين الأميركيين إلى الاحتماء في أماكنهم وعدم السفر إلى فنزويلا.
أما في الطيران المدني، فقد حظرت هيئة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) تحليق الطائرات التجارية الأميركية فوق أجواء فنزويلا (منطقة معلومات الطيران SVZM) بسبب مخاطر النشاط العسكري، وهو تشديد على تحذير أمني كان قائمًا منذ أواخر 2025 (NOTAM A0012/25).
الرواية العسكرية: عملية خاصة ببصمة أميركية واضحة
مع مرور الساعات، اتضح إطار العملية المسماة «الحزم المطلق – Operation Absolute Resolve»، والتي يُرجَّح أنها حشدت منظومة جوية كبيرة (مقاتلات، قاذفات، منصات استطلاع، طائرات دون طيار، ومروحيات)، مع قوات خاصة لتنفيذ انتشال دقيق في قلب العاصمة. منشورات متخصصة وصور مفتوحة المصدر تُظهر وجود مروحيات MH‑47 وMH‑60 التابعة لـ«نايت ستوكرز» كمنصات نموذجية للإدخال/الإخراج في بيئة حضرية معادية.
وتُظهر مقاطع مصوّرة من كاراكاس تحليق المروحيات بهامش حصانة عملياتية لافت في مدينة مجهّزة بدفاعات جوية؛ مع ورود تقارير محلية عن إطلاق منظومة محمولة على الكتف (MANPADS) دون تأثير مُعطِّل يُذكر على مسار العملية.
الإطار القانوني والدبلوماسي: منطقة رمادية مقصودة
وصفت الحكومة الفنزويلية ما حدث بأنه «انتهاك صارخ» لميثاق الأمم المتحدة، وطالبت بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن. خبراء ومسؤولون دوليون نوّهوا بـفرادة اعتقال رئيس دولة أثناء مزاولته السلطة خارج الحدود، مع التساؤل حول الأسس القانونية الأميركية لعملية تُعرض كإجراء إنفاذ قانون مدعوم قوةً عسكرية.
إقليميًا، دعت كولومبيا إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن، محذّرة من إمكان تدفّق لاجئين إلى حدودها، فيما صدرت إدانات من حلفاء كاراكاس.
اتصال استراتيجي وإدارة سردية الحدث
صباحًا، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة «ستُدير فنزويلا» مرحليًا، مع تأكيد نية الانخراط في قطاع النفط هناك؛ قبل أن تُظهِر لاحقًا تصريحات لمسؤولين آخرين قدرًا من التخفيف والتقييد. تقارير التقصّي أشارت إلى تناقضات وثغرات (تدفق معلومات لحظي، غياب إخطار مسبق للكونغرس، آليات انتقال السلطة).
على الضفة الإعلامية، انتشرت صور وخرائط، بينها ما هو غير مُوثّق (كصور مادورو برفقة عناصر أميركيين)، ما غذّى معركة السرد؛ وقد شدّدت غرف التحرير مرارًا على حالة عدم التحقق لتجنّب التضليل.
التداعيات النفطية: صدمةٌ بلا طفرةٍ في الأسعار (حتى الآن)
لماذا لم تقفز الأسعار رغم «حدثٍ شديد التطرف»؟
عند افتتاح جلسات آسيا يوم الاثنين، سجّل خام برنت هبوطًا إلى نطاق 60–60.5 دولارًا، في دلالة على أن فائض العرض البنيوي وتوقّعات فتور الطلب يطغيان على مخاوف انقطاع الإمداد الفوري.
بيوت خبرة رئيسية (Goldman Sachs، وEIA) كانت قد قيّدت نطاق 2026 في مستويات منخفضة (متوسط برنت 56–59 دولارًا) بفعل وفرة المعروض (مشاريع طويلة الأجل دخلت حيز التشغيل، حذر أوبك+، ونمو إنتاج خارج أوبك)، ما يعني أن الحدث الفنزويلي لا يُغيّر فوريًا الأساسيات.
باختصار، علاوة المخاطر الجيوسياسية تبدو مُسعَّرة جزئيًا ومُعادلة بفائض المعروض؛ وعلى المدى القصير ستحدّد استجابة أوبك+ وصرامة تنفيذ العقوبات مسار الأسعار أكثر من الحدث بذاته.
ماذا يعني «أمركة» سلسلة النفط الفنزويلية؟
لو أُعيد فتح المنبع الفنزويلي أمام الشركات الأميركية الكبرى (ExxonMobil، Chevron، ConocoPhillips، وغيرها)، فإن رفع الإنتاج سيحتاج سنوات واستثمارات ضخمة (شبكات، تحديث خامات ثقيلة في حزام أورينوكو، قدرات التكرير والتصدير). تتوقع التحليلات، في أفضل الأحوال، تعافيًا تدريجيًا وتأثيرًا هبوطيًا مؤجّلًا على الأسعار (إلى ما بعد 2027).
الجزائر في مواجهة واقع السوق الجديد
الانعكاس على الموازنة الجزائرية
في سيناريو برنت دون 60 دولارًا، تنكمش عائدات التصدير النفطية الجزائرية تلقائيًا، ما يقلّص الهامش المالي ويُحتّم مفاضلات دقيقة (نفقات جارية، استثمار، منظومات دعم). والتوقعات عند متوسط 56 دولارًا في 2026 تؤكد بيئةً ضاغطة.
موقع أوبك+ ومعضلة الحصص
كثّفت أوبك+ مشاوراتها مطلع يناير لتثبيت سوقٍ مترهّل؛ وإذا عادت براميل فنزويلا أسرع من المتوقع، قد يقتضي الأمر شدّ الحصص. بالنسبة للجزائر، قد ينجم عن ذلك «عقوبة مزدوجة»: خفض (أو تجميد) الكميات لدعم الأسعار، مع تقبّل أسعار منخفضة.
أدوات تخفيف للمخاطر الجزائرية (مقترحات عملية)
- التحوّط التكتيكي لجزء من الإنتاج (عقود آجلة، «كولارز») لتمليس التذبذب في الإيرادات، خصوصًا مع نطاق تداول مبكر 55–65 دولارًا.
- تسريع رهانات الغاز: عقود طويلة الأجل للغاز المسال، تحسين تدفقات الأنابيب، ومفاضلات موسمية لتعويض ضعف النفط (وهو منسجم مع توقعات EIA بنمو المخزونات عالميًا في 2026).
- شراكات منتقاة مع شركات أميركية تعمل بالفعل في الجزائر، لالتقاط رأس المال والخبرة—بما فيها مشاريع «أوفشور»—دون تفريط بالتحكّم الاستراتيجي.
- انضباط مالي: تعديل فرضيات السعر في قانون المالية، وترتيب الأولويات لمشروعات ذات مضاعف داخلي مرتفع، مع إعادة تفعيل آليات مضادّة للتقلّب (صندوق استقرار محدث). (يتماشى مع مسارات الأسعار 2025–2026).
ما ينبغي مراقبته خلال 7–10 أيام
- نصوص NOTAM الخاصة بالـFAA وتمديدها المحتمل: إغلاق الأجواء لفترة أطول يرفع الاحتكاكات اللوجستية وكلفة التأمين.
- اتصال رسمي أميركي (وزارة الدفاع، البيت الأبيض) حول هندسة العملية والأساس القانوني وملامح الحوكمة الانتقالية.
- جلسة مجلس الأمن ومواقف اللاعبين الأساسيين (روسيا، الصين، كولومبيا، البرازيل).
- إشارة أوبك+: أي تلميح إلى تشديد الحصص لكبح ضغطٍ سعري ممتد.
- سلوك برنت/WTI الفوري في آسيا وأوروبا: تثبيت نطاق 55–65 دولارًا أم كسر القاع.
خلاصة استراتيجية: خمسة دروسٍ أساسية
- قدرة اقتحام متكاملة: المزج بين التفوق الجوي والحرب الإلكترونية والطائرات غير المأهولة والمروحيات يكرّس عقيدة أميركية لـالاعتقال داخل نسيج حضري مع غطاء متعدد المجالات.
- غموض قانوني مقصود: توصيف العملية كـ«إنفاذ قانون» مسنود عسكريًا يخلق ازدواجية أمام القانون الدولي مع رسالة ردع إقليمية.
- عمليات معلومات وإيقاع إعلامي: انتشار صور غير مُثبَتة غذّى سرديات متنافسة، فيما حافظت القنوات الرسمية على توقيتٍ متحكَّم فيه (مؤتمرات، منشورات).
- أسواق مقاومة للصدمات: عدم حدوث طفرة سعرية يعكس مخزونات مريحة وفائض معروض؛ الجيوسياسة وحدها لا تكفي لقلب منحنىٍ هابط بلا صدمة إمداد حقيقية.
- الجزائر: إدارة زمن «البحر المنخفض»: ينبغي إدارة المسار المالي في نظام أسعار دون 60 دولارًا عبر شبكات أمان (تحوط، غاز، شراكات) وتنسيق يقظ في أوبك+.
خاتمة
تفتتح العملية في كاراكاس سابقةً ثقيلة الدلالات دبلوماسيًا وإقليميًا. عسكريًا، تؤكد القدرة الأميركية على تنفيذ انتشال داخل عاصمةٍ معادلة تحت مظلة جوية كثيفة. سياسيًا، تفتح منطقة رمادية حول آليات الانتقال والسيادة. اقتصاديًا، تُذكّر بأن سوق النفط لعام 2026 محكومٌ أساسًا بـفائضٍ بنيوي: ما لم تُضَخّ براميل فنزويلا سريعًا وبقوة، فـبرنت ~60 دولارًا يظلّ مرجّحًا. بالنسبة للجزائر، التحدّي هو تحويل هذا السياق المنخفض إلى محفّز للانضباط والاحترافية: تعزيز عقود الغاز، تركيب أدوات التحوّط، تعميق الشراكات التقنية، والضغط—مع أوبك+—لضبط توازنٍ بات أقلّ حساسيةً للصدمات الجيوسياسية العابرة.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق