لا تخرج المادة المتداولة في بعض المنابر المغربية، والتي تزعم انعقاد “مفاوضات سرية” بين الجزائر والمغرب حول الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، عن كونها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الدعاية السياسية الهادفة إلى تزوير طبيعة النزاع، وتحويله قسراً من قضية تصفية استعمار إلى خلاف ثنائي بين دولتين. وهي مقاربة لم تصمد يوماً أمام القانون الدولي، ولن تنجح اليوم مهما تغيرت العناوين أو تضخمت الصفحات.
أولاً، من حيث الأساس القانوني، فإن نزاع الصحراء الغربية – كما تؤكد ذلك الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، وجميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة – هو نزاع بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، بوصفها الممثل الشرعي للشعب الصحراوي. الجزائر ليست طرفاً في النزاع، بل دولة مجاورة معنية تدعم حق تقرير المصير، وهو توصيف ثابت في الأدبيات الأممية، ولم يتغير لا بقرار 2797 ولا بغيره. كل محاولة لتقديم الجزائر كـ“طرف تفاوضي” حول السيادة، هي إما جهل فادح بالقانون الدولي، أو تضليل متعمد للرأي العام.
ثانياً، إن الزعم بأن قرار مجلس الأمن رقم 2797 “يدعو إلى التفاوض استناداً إلى الطرح المغربي” هو تحريف فجّ للنصوص الأممية. فالقرار، كغيره من القرارات، يتحدث عن “حل سياسي واقعي، عملي، ودائم، قائم على التوافق”، دون أن يمنح أي أفضلية قانونية لمقترح الحكم الذاتي، ودون أن يسقط أبداً مبدأ تقرير المصير. بل إن الأمم المتحدة لم تعتمد يوماً مقترح الحكم الذاتي كأساس وحيد أو حصري للحل، وكل ما في الأمر أنه مقترح مغربي أحادي، يخضع – نظرياً – للنقاش، لا للإملاء.
ثالثاً، محاولة تصوير الجزائر على أنها ذاهبة للتفاوض حول “سيادة مغربية” مزعومة على إقليم لم يُصَفَّ استعماره بعد، تتناقض جذرياً مع الموقف الرسمي الجزائري المعلن والثابت، الذي لم يتغير لا في لقاءات علنية ولا في اتصالات دبلوماسية. الجزائر لا تفاوض على ما لا تملك، ولا تقايض على حقوق شعب آخر، ولا تمنح شرعية لاحتلال مرفوض أممياً. كل ما تقوم به هو دعم مسار أممي يضمن للشعب الصحراوي حقه في الاختيار الحر، عبر استفتاء أو أي آلية تقرير مصير متوافق عليها.
رابعاً، الإكثار من الحديث عن “مفاوضات سرية” داخل سفارة أجنبية، وادعاء أن واشنطن حددت “سقف الحكم الذاتي”، يكشف أكثر مما يخفي. فلو كان المقترح المغربي يحظى فعلاً بشرعية دولية راسخة، لما احتاج إلى التسويق عبر التسريبات، ولا إلى إلباس الإشاعة لباس “مصادر دبلوماسية مطلعة”. التاريخ القريب يعلمنا أن القضايا العادلة لا تُفرض بالضغط ولا تُدار في الغرف المغلقة، بل تُحسم عبر الشرعية الدولية وإرادة الشعوب.
خامساً، إن إدراج الجزائر في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالصحراء الغربية ليس سوى محاولة للهروب من الحقيقة المركزية: المغرب يرفض حتى اليوم تنظيم استفتاء تقرير المصير، لأنه يدرك أن نتائج الاحتكام لإرادة الشعب الصحراوي لا تخدم أطروحته. وبدلاً من مواجهة هذا المأزق، يجري تصدير الأزمة إلى الخارج، وافتعال خصومة مع الجزائر، لتضليل الداخل المغربي وتبرير انسداد الأفق السياسي.
أخيراً، لا بد من التذكير بحقيقة بسيطة، لكنها حاسمة:
الجزائر ليست خصماً للمغرب في الصحراء الغربية، بل خصم لفكرة الاستعمار مهما كان لونه أو غلافه. ومن يعتقد أن تغيير العناوين أو تضخيم “نسخ محينة” من مقترحات مرفوضة أممياً سيبدل جوهر القضية، يكرر الأخطاء نفسها التي أطالت عمر النزاع لعقود.
قضية الصحراء الغربية ستظل قضية شعب تحت الاحتلال، لا ملفاً ثنائياً، ولا ورقة مساومة إقليمية، ولا مادة للدعاية. وكل طريق لا يمر عبر تقرير المصير، سيبقى طريقاً مسدوداً، مهما حاولت آلة الدعاية أن توهم غير ذلك.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭🇪🇭
ردحذف