التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوار الرئيس تبون مع الإعلام: قراءة تحليلية في رهانات الداخل واستحقاقات الاقتصاد وتموضع الجزائر دوليًا

في لقائه الدوري مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية مساء السبت، قدّم رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون قراءة شاملة لمسار البلاد خلال السنوات الأخيرة، متناولًا الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى مستجدات الساحة العربية والدولية. الحوار، الذي اتّسم بصراحة سياسية وبُعدٍ استشرافي، رسم ملامح المرحلة المقبلة ووضّح توجهات الدولة في عدد من القضايا الحساسة.

أولًا: في الشأن الداخلي — إصلاحات عميقة ومراجعات مؤسساتية

1. نحو مقاربة جديدة للدعم الاجتماعي

أعلن الرئيس عن إمكانية الانتقال إلى سياسة جديدة للدعم الاجتماعي مع نهاية السنة الجارية، بالاعتماد على الرقمنة لتوجيه الدعم بدقة أكبر. وستُشرف على العملية لجنة وطنية تضم أحزابًا ونقابات فاعلة، بما يمنح الإصلاح مصداقيته ويضمن طابعه التشاركي.

2. الدولة في خدمة المواطن

شدّد الرئيس على أن مؤسسات الدولة تتصرف "أحيانًا بأبوية" دفاعًا عن مصالح المواطن خلال مرحلة الانتقال نحو جزائر جديدة، مؤكدًا أن الهدف هو حماية الفئات الضعيفة وتثبيت الاستقرار الاجتماعي.

3. تعديل تقني للدستور

أشار الرئيس إلى وجود "خلل وثغرات" في تطبيق بعض مواد الدستور، ما يستدعي إدخال تعديل تقني بعد المصادقة على قانون الأحزاب. وستُفتح بعدها مشاورات واسعة مع التشكيلات السياسية ذات التمثيل لمناقشة "مشروع مجتمع" جامع.

4. حرية التعبير وحدودها

أكد تبون أن حرية التعبير "مكفولة دستوريًا"، لكنه رفض الخلط بينها وبين "حرية السب والشتم". وشدّد على أن الدولة لن تسمح بخطابات التفرقة بين الجزائريين تحت أي ذريعة.

5. إجراءات خاصة لفائدة الجالية في وضعية هشة

أعلن الرئيس عن تسوية تخص الشباب الجزائري المقيم بالخارج في وضعيات غير قانونية، مع استثناء المتورطين في التخابر مع جهات أجنبية، "الذين سيكون مصيرهم العدالة". كما نفى أي علاقة لهذه الإجراءات بإجراءات الترحيل الفرنسية.

6. مجانية التعليم والصحة… خيار استراتيجي

جدد تبون تمسّك الدولة بمجانية التعليم والصحة، داعيًا إلى الحفاظ على المكاسب الوطنية ومحاربة التبذير.

7. وعي الشعب وقدرة المؤسسات

ثمّن الرئيس مستوى وعي الجزائريين ورفضهم الانسياق وراء محاولات زرع الفتنة، مشيرًا إلى فعالية مؤسسات الدولة في معالجة هذه القضايا ضمن إطار ديمقراطي.


ثانيًا: في الشأن الاقتصادي — مشاريع كبرى ورؤية تنموية تمتد إلى 2028

8. اقتصاد صاعد

توقع الرئيس أن يتجاوز الناتج الداخلي الخام عتبة 400 مليار دولار بحلول سنة 2027، ما يعكس ثقة الدولة في ديناميكية الاقتصاد الوطني.

9. لا للمديونية

أكد الرئيس أن الجزائر لن تلجأ إلى الاستدانة الخارجية، باستثناء التمويلات الموجهة لمشاريع ذات مردودية عالية. وضرب مثلًا بالقرض الممنوح من البنك الإفريقي للتنمية بقيمة تفوق 3 مليار دولار لتوسعة خط السكة الحديدية نحو المنيعة وغرداية.

10. الخط المنجمي لغار جبيلات — مشروع اقتصادي وسيادي

اعتبر الرئيس خط غارا جبيلات–تندوف–بشار مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا يمثل "الخطوة الأولى نحو الدولة الناشئة"، وسيوفر قرابة 18 ألف منصب شغل، مثبتًا أن الجزائر "بلد المعجزات" بإمكاناتها الطبيعية.

11. مشاريع منجمية كبرى

  • إطلاق منجم الرصاص والزنك بوادي أميزور قبل نهاية الثلاثي الأول لعام 2026.
  • شحن الفوسفات من منجم بلاد الحدبة عبر ميناء عنابة بين أواخر 2026 ومنتصف 2027.

12. نحو شبكة حديدية تربط الشمال بالجنوب

كشف تبون عن تقدم الأشغال لتمديد شبكة السكك الحديدية نحو أقصى الجنوب:

  • خط الجزائر–تمنراست سيدخل الخدمة سنة 2028.
  • وصول الشبكة إلى أدرار بين نهاية 2026 ومنتصف 2027.


ثالثًا: في الشأن الدولي — دبلوماسية هادئة وتموضع استراتيجي

13. علاقات متوازنة ومتعددة الاتجاهات

أكد الرئيس أن الجزائر تربطها علاقات مبنية على المنفعة المتبادلة مع دول أوروبية كإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، إضافة إلى علاقات مميزة مع الولايات المتحدة وروسية والصين.

14. العلاقات مع فرنسا

اكتفى الرئيس بالإشادة بسِغولين روايال خلال زيارتها الأخيرة للجزائر، معتبرًا أنها "مرحب بها".

15. الساحل وجواره

  • موريتانيا: جوار "أخوي"، والجزائر تمد يد المساعدة.
  • النيجر: احترام كبير لرئيسها عبد الرحمن تياني ودعوة رسمية لزيارة الجزائر.
  • مالي: "تاريخ مشترك"، مع تحذير من الأطراف التي تستغل الوضع لنهب الموارد.
  • بوركينا فاسو: علاقات "طيبة" واستعداد لتعزيزها.
  • ليبيا: الجزائر تعتبر أن كل ما يمس ليبيا يمسها مباشرة، وتدعو لتمكين الليبيين من تقرير مصيرهم.
  • مصر ودول الخليج: علاقات "تاريخية" ورفض لأي عدوان على مصر، مع إشادة بعلاقات "أكثر من أخوية" مع قطر والكويت والسعودية.


رابعًا: في الشأن الرياضي — الرئيس وشغفه بالمنتخب الوطني

اختتم تبون الحوار بتأكيد حماسه الدائم لمتابعة مباريات المنتخب الوطني لكرة القدم، وتمنياته بأن يحقق الفريق الانتصارات التي ينتظرها الشعب.


خلاصة تحليلية

يقدم لقاء الرئيس مزيجًا بين التأكيد على استقرار الدولة، ومواصلة الإصلاحات، وتثبيت الدور الإقليمي للجزائر، مع التركيز على مشاريع اقتصادية ضخمة تُظهر انتقالًا من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي. داخليًا، تبرز الإرادة السياسية في تنظيم الدعم، تحديث المؤسسات، وحماية الوحدة الوطنية. خارجيًا، تتجه الجزائر نحو دبلوماسية عقلانية، متعددة المحاور، تعكس استقلالية القرار السيادي.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...