لكن، وبعيدًا عن الوقائع، يبقى سؤال جوهري مطروحًا: لماذا اختار صحيفة لوموند نشر تحقيق موجّه بهذا الشكل وفي هذا التوقيت تحديدًا؟
والأهم: من المستفيد الحقيقي من الزجّ باسم جاك لانغ فجأة في دائرة الاتهام؟
يتساءل العديد من المراقبين:
ألا يمكن أن يكون هذا المقال مجرد أداة سياسية تهدف إلى إعادة تهيئة الموقف الفرنسي في المغرب العربي، بدل كونه غاية صحفية بحدّ ذاتها؟

1. توقيت مريب: مقال يأتي “في الوقت المناسب” تمامًا لباريس
صدر تحقيق لوموند في 10 فبراير 2026 في لحظة شديدة الحساسية:
– العلاقات الفرنسية‑الجزائرية في أدنى مستوياتها،
– ضغوط متزايدة على باريس للخروج من المأزق الدبلوماسي،
– عجز كامل عن تقديم تبرير عقلاني للانحياز الفرنسي للمغرب في 2024.
من الصعب تصديق أن نشر المقال جاء بمحض الصدفة.
يتساءل كثيرون:
هل تلقّت “لوموند” إلهامًا من دوائر صنع القرار في باريس لصناعة “قضية جاك لانغ” واستخدامه ككبش فداء لإعادة كتابة تاريخ الانحياز الفرنسي للمغرب في ملف الصحراء الغربية؟
فمن غير المعقول الادعاء بأن مذكّرات شخصية من وزير سابق بلا أي صفة رسمية يمكن أن تتغلب على تقييمات الدبلوماسية الفرنسية ومستشاري الإليزيه وأجهزتها المتخصصة.
2. أعوام 2021–2023: سياق متوتر يسمح بخلق روايات جاهزة
بين عامَي 2021 و2023، دخلت العلاقات الفرنسية‑المغربية في أزمة غير مسبوقة.
وفي ظل هذه القطيعة، بدأ اسم جاك لانغ يُطرح كـ“قناة موازية” بين باريس والرباط.
لكن الحقائق معروفة:
لا يملك جاك لانغ أي تفويض ولا أي صفة دبلوماسية.
فلماذا، إذن، يُمنح اليوم هذا الدور المحوري في القرار الفرنسي؟
التفسير الأكثر منطقية هو أنه يُستعمل كستار يخفي الدوافع الحقيقية وراء انعطافة الإليزيه نحو الرباط.
3. رواية لوموند: جاك لانغ، الرجل الذي “ثنى” موقف الإليزيه
بحسب لوموند، أرسل جاك لانغ سلسلة مذكرات إلى الرئيس إيمانويل ماكرون يدعو فيها إلى:
- استعادة الاتصال المباشر بالملك محمد السادس،
- الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
ويُلمّح المقال إلى أن هذه المذكرات أثّرت بشكل كبير على القرار الفرنسي.
لكن هذا الادعاء يثير تساؤلات جدّية:
هل يعقل أن تُبنى قرارات إستراتيجية تمسّ الأمن الإقليمي وتوازنات المغرب العربي والعلاقات مع الجزائر على مجرد “ملاحظات غير رسمية” من شخصية ثقافية؟
هذا يعني عمليًا أن الإليزيه يتحرك وفق الانطباعات، لا وفق تقييمات إستراتيجية—وهو أمر غير منطقي.
4. عام 2024: انعطافة فرنسية تُبحث اليوم عن تبرير
في صيف 2024، اعترفت فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ما أدى إلى:
– استئناف مذهل للعلاقات مع الرباط،
– زيارة دولة لماكرون في أكتوبر 2024،
– إعلان مشاريع استثمارية بقيمة تصل إلى 10 مليارات يورو.
كان قرارًا سياسيًا كاملًا… لكنه فجّر العلاقات مع الجزائر.
وهنا يظهر هدف مقال لوموند:
إلقاء المسؤولية على شخص واحد لإخفاء أن التحول الفرنسي كان قرارًا مدروسًا يخدم مصالح اقتصادية وجيوسياسية أعمق.
5. الأضرار الجانبية: الانسحاب الفرنسي من الجزائر
أدى الدعم الفرنسي للمغرب إلى أزمة طويلة الأمد مع الجزائر، تجسّدت في:
انهيار اقتصادي فرنسي في الجزائر
– انسحاب شركات فرنسية،
– صعود إيطاليا التي تستحوذ على ما يقارب 60٪ من السوق،
– توسع النفوذ الثقافي البريطاني.
تراجع كبير في القوة الناعمة الفرنسية
– تقلص حضور اللغة الفرنسية،
– إغلاق مؤسسات ثقافية،
– خسارة نفوذ دبلوماسي.
واستجابةً لهذا التراجع، تحتاج باريس إلى رواية:
– تقلل مسؤوليتها،
– تجعل من جاك لانغ “خطأ بشريًا”،
– تمهّد للعودة نحو الجزائر.
ومن سيكون أفضل من شخصية أصبحت هشّة ومعزولة مثل جاك لانغ؟
6. سقوط “الوسيط”: استقالة تخدم رواية جاهزة
في فبراير 2026، استقال جاك لانغ من رئاسة الـIMA في سياق تحقيق قضائي لا علاقة له بالمغرب العربي.
وقدّم ذلك فرصة مثالية لبناء رواية:
“بما أنه صار ضعيفًا، فلنحمّله مسؤولية التحول المغربي لمصلحة فرنسا.”
وبهذا تُعاد كتابة القصة بطريقة “منطقية”:
– لانغ هو من دفع باريس،
– باريس استجابت،
– والإليزيه غير مسؤول.
خلاصة: حين يتحول المقال الصحفي إلى أداة دبلوماسية
تكشف قضية جاك لانغ ليس فقط شبكات النفوذ بين باريس والرباط، بل أيضًا محاولة فرنسية لإعادة تفسير أخطاءها الإستراتيجية في المنطقة.
فمقال لوموند يبدو جزءًا من عملية تهدف إلى:
– صناعة رواية تجعل من لانغ كبش فداء لقرار 2024،
– تهيئة مخرج لباريس نحو الجزائر،
– إخفاء حقيقة أن التحول الفرنسي لم يكن نتاج “تأثير شخصي”، بل حسابات جيوسياسية دقيقة.
والأكيد أن القرارات الرئاسية لا تُتخذ بناءً على مذكرات شخصية، بل على مصالح دول—وهي الحقيقة التي يحاول هذا السرد إخفاءها.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق