التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قضية “أمارانت إنترناشيونال”: قراءة تحليلية في واحدة من أخطر قضايا التجسس التي مستّ الأمن القومي الجزائري

 شكّلت الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الابتدائية بدار البيضاء في الجزائر، والقاضية بإنزال عشرين سنة سجنًا نافذًا ضد المتهمين الرئيسيين في قضية تجسس حساسة، محطة مفصلية في التعاطي القضائي والأمني مع التهديدات الهجينة التي تستهدف الدولة. فالقضية لم تكن مجرد تجاوزات مهنية، بل منظومة متكاملة من جمع ونقل المعلومات الحيوية لجهات أجنبية، تحت غطاء نشاط تجاري “قانوني” ظاهريًا.

هذه القضية تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود الاختراق الذي كانت تتعرض له الجزائر، ونوعية المعلومات التي تم تسريبها، والأهداف الحقيقية من وراء هذا النشاط المنظّم.

أولاً: شركة واجهة… وعمليات تتجاوز كل الأطر القانونية

تعود جذور الملف إلى فرع جزائري لشركة Amarante International الفرنسية، المسجلة رسميًا كشركة حراسة وأمن. غير أن المحاكمة كشفت أنّ هذه الشركة لم تكن تمارس نشاطها المعلن فحسب، بل كانت تشغّل شبكة غير معلنة لجمع بيانات حساسة، تشمل:

  • معلومات أمنية دقيقة من عدة ولايات؛
  • معطيات اقتصادية واجتماعية مفصلة؛
  • تقارير أسبوعية وشهرية عن نشاط أجهزة الأمن؛
  • خرائط تصنيفية لمستويات التهديد الأمني داخل الجزائر وفي منطقة الساحل.

وخلصت المحكمة إلى أنّ طبيعة هذه المعلومات ومآلاتها لا تتناسب إطلاقًا مع نشاط شركة حراسة، بل تؤشر على عمل استخباراتي منظم.

إلى جانب الأحكام الثقيلة، صدرت كذلك غرامات مالية، إضافة إلى إدانة متهمة ثالثة بسنة حبس نافذة لعدم التبليغ.

ثانيًا: أدلة تقنية دامغة أطاحت بإنكار المتهمين

رغم نفي المتهمين المتكرر، واجهتهم المحكمة بنتائج خبرات تقنية معمقة أجريت على:

  • هواتفهم المحمولة؛
  • حواسيبهم؛
  • مراسلاتهم الرقمية.

وأثبتت هذه الخبرات أنّ المتهمين كانوا يرسلون تقارير أسبوعية مفصلة ودقيقة إلى مسؤولين في شركات أجنبية، بينهم ضباط سابقون في الاستخبارات الفرنسية. التقارير تضمنت محتوى لا يمكن تفسيره إلا في إطار مهمة استخباراتية صريحة.

إحدى الإفادات—لضابط أمن متقاعد—كانت كاشفة: فقد اعترف بأنّ مهمته الرسمية كانت مرافقة الأجانب، لكنه كان يحرّر في الوقت نفسه ملفات حساسة حول نشاط الشرطة، وتحركات الأمن، ونقاط الضعف، بما يشكل كنزًا معلوماتيًا لأي جهاز خارجي.


ثالثًا: نشاط مستمر رغم قرار الغلق… وخرق صارخ للقانون

ما يزيد القضية خطورة هو استمرار نشاط الشركة رغم صدور قرار إداري بإغلاقها في 24 ديسمبر 2023. فبدل الامتثال، واصل المتهمون العمل من منازلهم، وفي تواصل مباشر مع الشركة الأم في فرنسا.

وكشفت التحريات:

  • ممارسة مهام أمنية غير مرخصة داخل محيط مطارات الجزائر ووهران؛
  • استخدام أجهزة اتصال غير معتمدة؛
  • تقديم خدمات لعدد من الشركات دون أي غطاء قانوني.

الأخطر كان إعداد بطاقات أمنية “مهوّلة” وإرسالها إلى شركات أجنبية بهدف خلق صورة سوداوية عن الوضع الأمني في الجزائر، ما يشير إلى محاولة التأثير على مناخ الاستثمار وضرب الاقتصاد الوطني.


رابعًا: هندسة تضليلية لخلق صورة تهديد دائم

تكشف الوقائع أن الغاية المركزية للشبكة لم تكن فقط جمع البيانات، بل توجيه تصورات معيّنة حول الجزائر إلى الخارج، عبر:

  • تضخيم مستوى التهديد الأمني؛
  • تقديم الجزائر كبيئة غير مستقرة؛
  • ثني الشركات الأجنبية عن الاستثمار أو توسيع نشاطها.

إنها استراتيجية قائمة على الحرب النفسية والاقتصادية: تشويه صورة البلاد لتقييد قدراتها الاقتصادية وتخفيض جاذبيتها الاستثمارية.


خامسًا: قراءة في الحكم… ورسالة واضحة إلى الداخل والخارج

كان ممثل النيابة العامة قد طالب بتطبيق أقصى العقوبات، معتبرًا أنّ القضية تتعلق بـ“خطة مُحكمة تمسّ المصالح العليا للدولة”. وقد تبنّت المحكمة هذا الطرح، في ضوء معطيات الملف التي أبرزت:

  • وجود شبكة منظمة؛
  • تنسيق مباشر مع جهات أجنبية؛
  • تجاوزات قانونية متعمدة؛
  • تأثير مباشر على الأمن الوطني والاقتصاد.

بهذا الحكم، توجه الجزائر رسالة واضحة:
لا تسامح مع أي نشاط يدخل ضمن تخريب الأمن أو الاقتصاد تحت أي غطاء كان.


خاتمة: نحو إعادة هندسة المنظومة الأمنية لمواجهة التهديدات الهجينة

تكشف قضية "أمارانت إنترناشيونال" حجم التحدي الذي تواجهه الجزائر في عصر تتداخل فيه الحدود بين الأمني والاقتصادي والمعلوماتي. وهي تبرز:

  • ضرورة تشديد الرقابة على الشركات الأجنبية العاملة في القطاعات الحساسة؛
  • أهمية الاستثمار في قدرات مكافحة التجسس والجرائم الاقتصادية؛
  • مركزية المعلومات في الأمن القومي الحديث؛
  • أن الحرب لم تعد فقط في الميدان، بل في المعلومة، التصوّر، والسمعة الدولية.
تبقى هناك مسألة جوهرية تثير الغضب قبل الاستفهام: كيف سمحت الجزائر أصلًا بوجود مثل هذه الشركات الأمنية الأجنبية على أراضيها؟! فالجميع يعلم أن هذا النوع من الشركات يكون، في الغالب، ذراعًا موازية لأجهزة استخبارات خارجية تعمل تحت غطاء “الأمن الخاص”. وهذا يشكّل اختراقًا صارخًا للسيادة الوطنية لا يمكن التغاضي عنه أو تبريره بأي شكل من الأشكال.

إن الجزائر مطالَبة اليوم، وبصورة عاجلة وحاسمة، بأن تحصر هذا المجال الحساس في يد الشركات الجزائرية وحدها، تلك المعتمدة رسميًا من وزارة الدفاع الوطني. فأمن الدولة ليس مجالًا للتجارب ولا بابًا تُترك مفاتيحه في أيدي الغرباء.

لقد أعادت هذه القضية التأكيد على أنّ حماية السيادة الوطنية تتطلب يقظة دائمة، وتعاونًا وثيقًا بين الأجهزة الأمنية والقضائية والاقتصادية، لأنّ التهديدات اليوم لم تعد صريحة، بل مموّهة ومتعددة الطبقات.


بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...