التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصحراء الغربية: القرار 2797، وهم الحكم الذاتي، وحقيقة السيادة في ميزان القانون الدولي

منذ اعتماد مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2797، دخل ملف الصحراء الغربية مرحلة جديدة لا تتسم بتقدّم قانوني حاسم بقدر ما تعكس تصعيدًا في الصراع السردي والدعائي حول طبيعة الحل وحدوده. فقد سارع المغرب، مدعومًا ببعض الدوائر الدبلوماسية الغربية، إلى تقديم مخطط الحكم الذاتي باعتباره حلًا نهائيًا، مكتمل الأركان، ومحصّنًا بشرعية دولية مزعومة. غير أن قراءة متأنية للقرار، واستحضارًا صارمًا لقواعد القانون الدولي، تكشف أن هذه الرواية لا تصمد أمام الفحص القانوني والسياسي الدقيق، وأن جوهر النزاع لا يزال مفتوحًا دون حسم.

 

تشير المعطيات الرسمية وغير الرسمية المتداولة حول محادثات مدريد إلى حقيقة أساسية طالما حاول الخطاب المغربي طمسها: الولايات المتحدة فشلت في فرض مخطط الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع. فقد تمسّك الطرف الصحراوي، مدعومًا بالجزائر، بموقف مبدئي صارم قوامه مركزية حق تقرير المصير باعتباره حجر الزاوية لأي تسوية عادلة ودائمة، على أن يُمارَس هذا الحق عبر استفتاء حر ونزيه يتيح للشعب الصحراوي التعبير الحقيقي عن إرادته. هذا التمسك يفسر، بوضوح، لماذا لا تزال المفاوضات جوهرية وعميقة، لا تقنية ولا شكلية كما يروّج لذلك.


أما القرار 2797، الذي يُستَشهد به كثيرًا خارج سياقه، فلا يتجاوز كونه إطارًا سياسيًا إجرائيًا لإعادة إطلاق المسار التفاوضي. صحيح أنه أشار إلى مقترح الحكم الذاتي باعتباره نقطة انطلاق للنقاش، لكنه لم يحدّد مطلقًا نقطة الوصول، ولم يمنح المغرب أي اعتراف بالسيادة على الإقليم، كما لم يُسقط أو يستبدل مبدأ تقرير المصير. وفي القانون الدولي كما في الممارسة الدبلوماسية، فإن نقطة البداية لا تحدد أبدًا النتيجة النهائية، وأي محاولة لتحويل هذا القرار إلى صكّ شرعية قانونية ليست سوى قراءة انتقائية تخدم أهدافًا سياسية ظرفية.

وهنا تتجلى المعضلة الجوهرية لمخطط الحكم الذاتي المغربي: فهو يقوم على افتراض سيادة غير قائمة قانونًا. فالحكم الذاتي، من حيث المبدأ، لا يمكن تصوره إلا داخل إطار سيادة شرعية ومعترف بها دوليًا. غير أن المغرب لا يمتلك أي سند قانوني يثبت سيادته على الصحراء الغربية. فالإقليم لا يزال، منذ عام 1963، مدرجًا ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، أي الأقاليم الخاضعة لمسار تصفية الاستعمار. كما أن محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر سنة 1975، أكدت بوضوح عدم وجود أي روابط سيادة إقليمية بين المغرب والصحراء الغربية، مقرّة في الوقت ذاته بحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير مصيره.

ولا تملك لا الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة، مهما بلغ نفوذهما السياسي، الصلاحية القانونية لمنح السيادة على إقليم لا يخضع لسلطتهما. فالسّيادة لا تُمنَح ببيانات سياسية، ولا تُستمد من موازين القوى أو التحالفات الظرفية، بل تقوم إما على أساس قانوني معترف به دوليًا، أو على الإرادة الحرة للشعوب كما يقرّها مبدأ تقرير المصير. ومن دون ذلك، يتحول مخطط الحكم الذاتي إلى مجرد عرض أحادي الجانب، يفتقر إلى الأساس القانوني، ويهدف إلى إضفاء شرعية لاحقة على وضع مفروض بالقوة.

في هذا السياق، تبدو الدعاية المغربية التي تزعم أن «لا شيء قابلًا للتفاوض» وأن المحادثات الجارية لا تتجاوز الجوانب التقنية، محاولة مكشوفة لإفراغ العملية السياسية من مضمونها الحقيقي. فلو كان النزاع قد حُسم قانونيًا، لما كانت هناك حاجة أصلًا إلى مفاوضات جديدة. إن استمرار المسار التفاوضي يؤكد، في حد ذاته، أن السؤال الجوهري لا يزال مطروحًا دون إجابة: من يملك السيادة الشرعية على الصحراء الغربية؟ وإلى أن يُحسم هذا السؤال وفق قواعد القانون الدولي، ستظل كل الحلول المطروحة حلولًا منقوصة.

خلاصة القول، إن القرار 2797 لم يُنهِ نزاع الصحراء الغربية، ولم يمنح مخطط الحكم الذاتي المغربي الشرعية القانونية التي يفتقدها. لقد أعاد فقط ترتيب الإطار السياسي للنقاش، مانحًا المغرب مكسبًا دبلوماسيًا محدودًا، دون أن يمس بجوهر القضية. فالصحراء الغربية لا تزال إقليمًا في طور تصفية الاستعمار، والشعب الصحراوي لا يزال صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره. وما عدا ذلك، يبقى مجرد خطاب سياسي دعائي لا يرقى إلى مستوى الحقيقة القانونية.


بــلـــڨـــاســم مربـــاح





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...