تواصل وسائل الإعلام المقرّبة من المخزن توظيف كل حدث دبلوماسي، مهما كان عابراً أو غير ذي صلة مباشرة، من أجل إعادة تدوير سردية قديمة حول قضية الصحراء الغربية. سردية قائمة على الانتقاء، والتهويل، والخلط المتعمّد بين ما هو موقف سياسي وما هو إطار قانوني دولي، في محاولة لصناعة وهم مفاده أنّ مسار تصفية الاستعمار قد أُغلق، وأن الشرعية الدولية يمكن تجاوزها بمجرد بلاغات دعائية.
غير أن قراءة معمّقة للمعطيات تبرز فجوة واسعة بين هذه الدعاية وبين الواقع القانوني والسياسي الذي يحكم الملف.
تحاول بعض المنابر المغربية تصوير أي زيارة مسؤول أمريكي للجزائر على أنها مؤشر تحوّل أو رسالة دبلوماسية مشفّرة. إلا أن هذا الطرح يتجاهل حقائق ثابتة:
- الجزائر فاعل محوري في شمال إفريقيا وفي قضايا الأمن الإقليمي والطاقة ومكافحة الإرهاب.
- التشاور معها يُعد جزءاً بنيوياً من السياسة الأمريكية في المنطقة، وليس ورقة ضغط ولا بديلاً عن المسار الأممي.
وعليه، فتصوير هذه الزيارات كـ"انتصار دعائي" أو "ضغط غير معلن" لا يتجاوز حدود القراءة الرغائبية.
ثانياً: الصمت الدبلوماسي الجزائري… سيادة قرار لا ارتباكضمن خطابها الدعائي، تقدّم بعض الأقلام المغربية الصمت الجزائري تجاه بعض التحركات على أنه ارتباك أو حرج. غير أن هذا التأويل يتجاهل طبيعة الدبلوماسية الجزائرية التي:
- تعتمد الاتزان والابتعاد عن التصريحات الانفعالية،
- وتُدار عبر قنوات مؤسساتية لا عبر التسريبات أو شبكات التواصل،
- ولا تُبرّر لقاءاتها لأي طرف.
الصمت هنا ليس علامة غموض، بل تعبير عن سيادة القرار واستقلالية الموقف.
ثالثاً: وهم “الحسم الدولي” في ملف الصحراء الغربيةمن أبرز مغالطات الخطاب الدعائي القول إن ملف الصحراء الغربية قد “حُسم”. والواقع يفنّد ذلك بالكامل:
- الأمم المتحدة تُصنّف الصحراء الغربية إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي.
- النزاع مُدرج كقضية تصفية استعمار وليست نزاعاً حدودياً.
- مهمة بعثة المينورسو هي تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو ما لم يتم لغاية اليوم.
يُصرّ الإعلام المخزني على تضخيم قرار إدارة ترامب عام 2020، واعتباره دليلاً على “إجماع أمريكي”. لكن القراءة المؤسساتية تُظهر غير ذلك:
- القرار كان سياسياً أحادياً، ولم يغيّر موقف الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة.
- واشنطن لا تزال تدعم المسار الأممي والحل السياسي المتفاوض عليه.
- لم تُلغِ دعمها للمينورسو ولا لآلية تقرير المصير.
وعليه، يبقى الحديث عن “إجماع أمريكي” ادعاءً بلا سند.
خامساً: الحكم الذاتي… مقترح سياسي لا قراراً أممياًتقدّم الرباط مشروع الحكم الذاتي كأنه “الحل الوحيد”، غير أن الوقائع الأممية واضحة:
- الأمم المتحدة لم تعتمد الحكم الذاتي كحل، بل وصفته بأنه مقترح من بين مقترحات أخرى.
- الحل النهائي يجب أن يكون متوافقاً، ويضمن حق تقرير المصير.
إسقاط الاستفتاء تحت ذريعة “الواقعية” يبقى التفافاً على مبادئ القانون الدولي، مهما تغيّرت التسميات.
سادساً: الجزائر ليست طرفاً في النزاعمحاولة إدماج الجزائر قسراً في خانة “الطرف المعني” تهدف إلى تجاوز الحقيقة الجوهرية:
- النزاع قانونياً بين المغرب وجبهة البوليساريو.
- الجزائر تدعم حق تقرير المصير وفق مبادئها التاريخية تجاه حركات التحرر.
- موقفها ثابت وغير قابل للمقايضة.
الجزائر لا تفاوض على الصحراء، ولا تبحث عن تطبيع إقليمي على حساب الشرعية الدولية.
خاتمة: بين الشرعية الدولية والدعاية- تزييف مفاهيم،
- تضخيم الزيارات،
- صناعة “لحظات مفصلية” وهمية،
- وإعادة تدوير نفس الخطاب منذ عقود.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق