التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين تتحول “القراءات الدبلوماسية” إلى دعاية رخيصة

تواصل وسائل الإعلام المقرّبة من المخزن توظيف كل حدث دبلوماسي، مهما كان عابراً أو غير ذي صلة مباشرة، من أجل إعادة تدوير سردية قديمة حول قضية الصحراء الغربية. سردية قائمة على الانتقاء، والتهويل، والخلط المتعمّد بين ما هو موقف سياسي وما هو إطار قانوني دولي، في محاولة لصناعة وهم مفاده أنّ مسار تصفية الاستعمار قد أُغلق، وأن الشرعية الدولية يمكن تجاوزها بمجرد بلاغات دعائية.

غير أن قراءة معمّقة للمعطيات تبرز فجوة واسعة بين هذه الدعاية وبين الواقع القانوني والسياسي الذي يحكم الملف.


أولاً: الزيارات الدبلوماسية الأمريكية… بين الدعاية والواقع الجيوسياسي

تحاول بعض المنابر المغربية تصوير أي زيارة مسؤول أمريكي للجزائر على أنها مؤشر تحوّل أو رسالة دبلوماسية مشفّرة. إلا أن هذا الطرح يتجاهل حقائق ثابتة:

  • الجزائر فاعل محوري في شمال إفريقيا وفي قضايا الأمن الإقليمي والطاقة ومكافحة الإرهاب.
  • التشاور معها يُعد جزءاً بنيوياً من السياسة الأمريكية في المنطقة، وليس ورقة ضغط ولا بديلاً عن المسار الأممي.

وعليه، فتصوير هذه الزيارات كـ"انتصار دعائي" أو "ضغط غير معلن" لا يتجاوز حدود القراءة الرغائبية.

ثانياً: الصمت الدبلوماسي الجزائري… سيادة قرار لا ارتباك

ضمن خطابها الدعائي، تقدّم بعض الأقلام المغربية الصمت الجزائري تجاه بعض التحركات على أنه ارتباك أو حرج. غير أن هذا التأويل يتجاهل طبيعة الدبلوماسية الجزائرية التي:

  • تعتمد الاتزان والابتعاد عن التصريحات الانفعالية،
  • وتُدار عبر قنوات مؤسساتية لا عبر التسريبات أو شبكات التواصل،
  • ولا تُبرّر لقاءاتها لأي طرف.

الصمت هنا ليس علامة غموض، بل تعبير عن سيادة القرار واستقلالية الموقف.

ثالثاً: وهم “الحسم الدولي” في ملف الصحراء الغربية

من أبرز مغالطات الخطاب الدعائي القول إن ملف الصحراء الغربية قد “حُسم”. والواقع يفنّد ذلك بالكامل:

  • الأمم المتحدة تُصنّف الصحراء الغربية إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي.
  • النزاع مُدرج كقضية تصفية استعمار وليست نزاعاً حدودياً.
  • مهمة بعثة المينورسو هي تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو ما لم يتم لغاية اليوم.

لو كان الملف “محسوماً” كما يُروّج،
لما استمرت المينورسو،
ولما جُدّدت ولايتها سنوياً،
ولما بقي مصطلح “تقرير المصير” جزءاً أساسياً من قرارات مجلس الأمن.

رابعاً: الخلط المقصود بين الاعتراف الأمريكي والسياسة الأممية

يُصرّ الإعلام المخزني على تضخيم قرار إدارة ترامب عام 2020، واعتباره دليلاً على “إجماع أمريكي”. لكن القراءة المؤسساتية تُظهر غير ذلك:

  • القرار كان سياسياً أحادياً، ولم يغيّر موقف الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة.
  • واشنطن لا تزال تدعم المسار الأممي والحل السياسي المتفاوض عليه.
  • لم تُلغِ دعمها للمينورسو ولا لآلية تقرير المصير.

وعليه، يبقى الحديث عن “إجماع أمريكي” ادعاءً بلا سند.

خامساً: الحكم الذاتي… مقترح سياسي لا قراراً أممياً

تقدّم الرباط مشروع الحكم الذاتي كأنه “الحل الوحيد”، غير أن الوقائع الأممية واضحة:

  • الأمم المتحدة لم تعتمد الحكم الذاتي كحل، بل وصفته بأنه مقترح من بين مقترحات أخرى.
  • الحل النهائي يجب أن يكون متوافقاً، ويضمن حق تقرير المصير.

إسقاط الاستفتاء تحت ذريعة “الواقعية” يبقى التفافاً على مبادئ القانون الدولي، مهما تغيّرت التسميات.

سادساً: الجزائر ليست طرفاً في النزاع

محاولة إدماج الجزائر قسراً في خانة “الطرف المعني” تهدف إلى تجاوز الحقيقة الجوهرية:

  • النزاع قانونياً بين المغرب وجبهة البوليساريو.
  • الجزائر تدعم حق تقرير المصير وفق مبادئها التاريخية تجاه حركات التحرر.
  • موقفها ثابت وغير قابل للمقايضة.

الجزائر لا تفاوض على الصحراء، ولا تبحث عن تطبيع إقليمي على حساب الشرعية الدولية.

خاتمة: بين الشرعية الدولية والدعاية

لو كان الطرح المغربي يحظى فعلاً بـ“إجماع دولي”،
ولو كان الاستقرار الإقليمي يبدأ من المغرب كما يُروج،
لما احتاجت الصحافة المخزنية إلى:

  • تزييف مفاهيم،
  • تضخيم الزيارات،
  • صناعة “لحظات مفصلية” وهمية،
  • وإعادة تدوير نفس الخطاب منذ عقود.

قضية الصحراء الغربية ليست معركة بلاغية، بل مساراً قانونياً لم يكتمل بعد.
والزمن، مهما طال، لا يسقط حق الشعوب في تقرير مصيرها.

الجزائر هادئة لأن موقفها مؤسّس وثابت.
والمغرب قلق، لأن الدعاية مهما اشتدت لا تصنع شرعية.


بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...