وصول أول شحنة من خام الحديد المستخرج من منجم غارا جبيلات إلى وحدات التحويل في ولاية وهران يمثّل انتقال المشروع من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التشغيل الفعلي: استخراجٌ منتظم، ثم نقلٌ حديدي، ثم تحويلٌ صناعي إلى منتج نصف مُصنَّع/مصنَّع. هذا ما أكّدته تقارير صحفية رسمية وإخبارية جزائرية نقلت عن تصريحات المسؤولين أن الشحنة الأولى ستصل يوم الخميس 29 يناير/كانون الثاني 2026 إلى وحدات التحويل بوهران، مُعلنة بداية استغلال المنجم وتحويل المادة الخام.
كما ارتبط الحدث برسالة سياسية واضحة: وزير الداخلية والنقل والسلطات المحلية، سعيد سايود، قدّم الخطوة بوصفها تعزيزاً لسلسلة الإنتاج الوطنية في الحديد والصلب، مع إبراز الطابع «الوطني» للمشروع (وسائل بشرية ومادية جزائرية) مع الاعتراف بدور الشريك الصيني في التنفيذ.
1) المشروع «العملاق»: منجمٌ لكنه في الحقيقة منظومة صناعية كاملة
1.1 مورد ضخم… وتحدٍ تقني
2.1 مرحلتان: تصاعد تدريجي ثم قفزة مع اكتمال النقل الحديدي
2) عامل الحسم: «الخط المنجمي الغربي» (بشار–تندوف–غارا جبيلات)
لا تتحول ثروة منجمية صحراوية إلى قوة اقتصادية دون ممر لوجستي. الخط المنجمي الغربي، بطول يقارب 950 كلم، هو البنية التي تجعل من خام غارا جبيلات مدخلاً صناعياً قابلاً للتسويق داخلياً وخارجياً. فهو يربط بشار بالمناطق الجنوبية وصولاً إلى المنجم، ويهدف إلى نقل الخام نحو وحدات المعالجة ثم نحو الشمال/الموانئ.
3) الشريك الصيني: هندسة الصحراء وربط المشروع بمصالح سلاسل التوريد
ومع ذلك، تميل الخطابات الرسمية الجزائرية إلى التأكيد بأن المشروع «وطني» من حيث الإمكانيات البشرية والمادية، مع الإقرار بدور الشريك الصيني في التنفيذ، بما يعكس سعي الدولة لمعادلة: تعاون تقني دون مساس بالسيادة على الأصل المنجمي.
4) لماذا يثير غارا جبيلات اهتماماً إعلامياً مغربياً؟ (اقتصاد السردية)
في المقابل، تحوّل المشروع إلى مادة سجالية في بعض المنابر المغربية عبر حديثٍ عن «حقوق تاريخية» أو «حق انتفاع» مزعوم مرتبط بترسيم الحدود. لكن تقييم هذه المزاعم يتطلب الفصل بين ثلاث دوائر:
- السيادة الترابية: أين يقع المنجم قانونياً؟
- اتفاقات التعاون الاقتصادي: ما الذي تم الاتفاق عليه بشأن التعاون؟
- حل النزاعات: ما هي آليات التحكيم/التقاضي الممكنة؟
والأهم أن هذا النوع من «المعارك الإعلامية» غالباً ما يعمل كآلية داخلية لإعادة تدوير سرديات قومية، لكنه يصطدم في النهاية بواقع نصوص منشورة ومعاهدات مسجلة دولياً.
5) الأساس القانوني: اتفاق 1972 لترسيم الحدود والسيادة على باطن الأرض
اتفاقية ترسيم خط الحدود الموقعة في الرباط يوم 15 يونيو/حزيران 1972 تنص بوضوح على أن الحدود البرية لا تحدد الأرض فقط، بل تمتد «عمودياً» لتشمل السيادة في المجال الجوي وانتماء باطن الأرض. وهذا يعني أن أي ثروات باطنية داخل الحدود المُرسَّمة تدخل في نطاق السيادة الإقليمية للدولة التي تقع ضمن إقليمها.
كما أن الاتفاقية مُسجَّلة في قاعدة معاهدات الأمم المتحدة (UNTC) بوصفها اتفاقاً ثنائياً بين الجزائر والمغرب، مع بيانات حول دخولها حيز النفاذ عبر تبادل وثائق التصديق، بما يعزز ثقلها القانوني الدولي.
خلاصة تحليلية: طالما أن النص يربط الحدود بـ«باطن الأرض»، فإن ادعاء «حق معدني خارجي» على منجم يقع داخل التراب الجزائري يحتاج إلى سند تعاقدي صريح ومحدد، لا إلى سردية سياسية عامة.
6) اتفاقية التعاون حول غارا جبيلات: تعاونٌ ممكن… وسيادةٌ مُعلَنة
بالتالي، حتى من داخل منطق التعاون ذاته، لا توجد «مساواة في السيادة» على المنجم، بل ترتيب اقتصادي يضع الملكية والسيادة في جهة، ويبحث عن حلول لوجستية/تجارية مشتركة في جهة أخرى.
7) لماذا لا تعني منازعة التعاون «إعادة فتح الحدود»؟ (قواعد قانون المعاهدات)
النتيجة التحليلية: حتى لو ثار جدل حول تنفيذ اتفاقية تعاون، فهذا لا يكفي قانونياً لإسقاط اتفاقية الحدود، ما لم توجد بنود ربط صريحة أو توافق لاحق بين الطرفين على ذلك.
8) قراءة جيو-اقتصادية: غارا جبيلات كأداة قوة وتنمية داخلية
غارا جبيلات ليس مشروعاً «منجمياً» فحسب، بل أداة قوة بثلاثة أبعاد:
- أمن الإمدادات الصناعية: دعم سلسلة الحديد والصلب وتقليل هشاشة المدخلات.
- إعادة رسم جغرافيا التنمية: ربط بشار–تندوف–غارا جبيلات يخلق محوراً اقتصادياً جديداً في الجنوب الغربي ويعزز فك العزلة.
- دبلوماسية اقتصادية: شراكات البنية التحتية (خصوصاً مع الصين) تجعل المشروع جزءاً من شبكات أوسع للتجارة والاستثمار.
خاتمة: مشروعٌ صناعي… وجدالٌ سردي… ونصوصٌ مكتوبة
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق