التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غارا جبيلات: من أول قطارٍ نحو وهران إلى «اللعبة الكبرى» إقليمياً — قراءة اقتصادية/صناعية/قانونية

وصول أول شحنة من خام الحديد المستخرج من منجم غارا جبيلات إلى وحدات التحويل في ولاية وهران يمثّل انتقال المشروع من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التشغيل الفعلي: استخراجٌ منتظم، ثم نقلٌ حديدي، ثم تحويلٌ صناعي إلى منتج نصف مُصنَّع/مصنَّع. هذا ما أكّدته تقارير صحفية رسمية وإخبارية جزائرية نقلت عن تصريحات المسؤولين أن الشحنة الأولى ستصل يوم الخميس 29 يناير/كانون الثاني 2026 إلى وحدات التحويل بوهران، مُعلنة بداية استغلال المنجم وتحويل المادة الخام. 

كما ارتبط الحدث برسالة سياسية واضحة: وزير الداخلية والنقل والسلطات المحلية، سعيد سايود، قدّم الخطوة بوصفها تعزيزاً لسلسلة الإنتاج الوطنية في الحديد والصلب، مع إبراز الطابع «الوطني» للمشروع (وسائل بشرية ومادية جزائرية) مع الاعتراف بدور الشريك الصيني في التنفيذ. 


1) المشروع «العملاق»: منجمٌ لكنه في الحقيقة منظومة صناعية كاملة

1.1 مورد ضخم… وتحدٍ تقني

يُصنَّف غارا جبيلات ضمن أكبر مكامن الحديد، مع تقديرات شائعة لاحتياطات تقارب 3.5 مليارات طن (مع جزءٍ قابل للاستغلال)، ومساحة تتجاوز 131 كم²، ونسبة حديد في الخام تقارب 58%.
لكن النقطة الحاسمة ليست الحجم فقط، بل معضلة الفوسفور في الخام، والتي تفرض عمليات نزع الفوسفور/الإثراء لتحويله إلى خام صالح لصناعة الحديد والصلب بالمواصفات الصناعية؛ وهو ما يجعل نجاح المشروع مرتبطاً بقدرة الصناعة الجزائرية على التحكم في الحلول التقنية وطاقات المعالجة. 

2.1 مرحلتان: تصاعد تدريجي ثم قفزة مع اكتمال النقل الحديدي

المقاربة المُعلنة تقوم على إنتاج تدريجي في البداية، ثم رفع كبير للطاقة الإنتاجية عندما تصبح البنية التحتية للنقل والمعالجة قادرة على حمل التدفقات الضخمة. مصادر متعددة تُشير إلى أن المشروع يستهدف على المدى المتوسط قدرات نقل/إنتاج تصل إلى عشرات ملايين الأطنان سنوياً مع دخول السكة حيز التشغيل الكامل.
وهنا تتبدّل طبيعة المشروع: لم يعد «استخراجاً» فقط، بل بناء سلسلة قيمة تتضمن ما قبل المعالجة، والتحويل، وربط ذلك بالمجمعات الصناعية والبوابات اللوجستية (الموانئ) — وهي فكرة تكررت في تغطيات عدة تربط غارا جبيلات بتنويع الاقتصاد وتطوير الجنوب الغربي.

2) عامل الحسم: «الخط المنجمي الغربي» (بشار–تندوف–غارا جبيلات)

لا تتحول ثروة منجمية صحراوية إلى قوة اقتصادية دون ممر لوجستي. الخط المنجمي الغربي، بطول يقارب 950 كلم، هو البنية التي تجعل من خام غارا جبيلات مدخلاً صناعياً قابلاً للتسويق داخلياً وخارجياً. فهو يربط بشار بالمناطق الجنوبية وصولاً إلى المنجم، ويهدف إلى نقل الخام نحو وحدات المعالجة ثم نحو الشمال/الموانئ. 

وتشير تقارير عن جاهزية الخط مطلع 2026 إلى قدرة مستقبلية لنقل 50 مليون طن سنوياً عند التشغيل الكامل، بما يتيح تدفقات كبيرة نحو وحدات التحويل (مثل بشار/النعامة) أو نحو منافذ التصدير (منها أروَزيو).
واللافت أن المشروع لم يُقدَّم كبنية للمعادن فقط؛ إذ تزامن مع تدشين محطات/محطات ركاب في غارا جبيلات وتندوف، ما يضيف بُعداً اجتماعياً وتنموياً (فك العزلة وربط الإقليم). 

3) الشريك الصيني: هندسة الصحراء وربط المشروع بمصالح سلاسل التوريد

حضور الشريك الصيني هنا ليس تفصيلاً؛ فشركة CRCC تُذكر كطرف محوري في أجزاء من مشروع السكة ومكوناته، ضمن تحديات هندسية قاسية (كثبان، رمال متحركة، درجات حرارة مرتفعة).
وتحليل هذه الشراكة يقود إلى منطق «مصلحة مزدوجة»: الجزائر تريد تسريع إنجاز البنى التحتية وتحويل الموارد محلياً، بينما الصين — كأكبر منتج عالمي للصلب — تسعى لتنويع مصادر خام الحديد وتقليل الاعتماد على موردين تقليديين. 

ومع ذلك، تميل الخطابات الرسمية الجزائرية إلى التأكيد بأن المشروع «وطني» من حيث الإمكانيات البشرية والمادية، مع الإقرار بدور الشريك الصيني في التنفيذ، بما يعكس سعي الدولة لمعادلة: تعاون تقني دون مساس بالسيادة على الأصل المنجمي

4) لماذا يثير غارا جبيلات اهتماماً إعلامياً مغربياً؟ (اقتصاد السردية)

في المقابل، تحوّل المشروع إلى مادة سجالية في بعض المنابر المغربية عبر حديثٍ عن «حقوق تاريخية» أو «حق انتفاع» مزعوم مرتبط بترسيم الحدود. لكن تقييم هذه المزاعم يتطلب الفصل بين ثلاث دوائر:

  1. السيادة الترابية: أين يقع المنجم قانونياً؟
  2. اتفاقات التعاون الاقتصادي: ما الذي تم الاتفاق عليه بشأن التعاون؟
  3. حل النزاعات: ما هي آليات التحكيم/التقاضي الممكنة؟

والأهم أن هذا النوع من «المعارك الإعلامية» غالباً ما يعمل كآلية داخلية لإعادة تدوير سرديات قومية، لكنه يصطدم في النهاية بواقع نصوص منشورة ومعاهدات مسجلة دولياً. 

5) الأساس القانوني: اتفاق 1972 لترسيم الحدود والسيادة على باطن الأرض

اتفاقية ترسيم خط الحدود الموقعة في الرباط يوم 15 يونيو/حزيران 1972 تنص بوضوح على أن الحدود البرية لا تحدد الأرض فقط، بل تمتد «عمودياً» لتشمل السيادة في المجال الجوي وانتماء باطن الأرض. وهذا يعني أن أي ثروات باطنية داخل الحدود المُرسَّمة تدخل في نطاق السيادة الإقليمية للدولة التي تقع ضمن إقليمها. 

كما أن الاتفاقية مُسجَّلة في قاعدة معاهدات الأمم المتحدة (UNTC) بوصفها اتفاقاً ثنائياً بين الجزائر والمغرب، مع بيانات حول دخولها حيز النفاذ عبر تبادل وثائق التصديق، بما يعزز ثقلها القانوني الدولي. 

خلاصة تحليلية: طالما أن النص يربط الحدود بـ«باطن الأرض»، فإن ادعاء «حق معدني خارجي» على منجم يقع داخل التراب الجزائري يحتاج إلى سند تعاقدي صريح ومحدد، لا إلى سردية سياسية عامة.

6) اتفاقية التعاون حول غارا جبيلات: تعاونٌ ممكن… وسيادةٌ مُعلَنة

الوثائق المنشورة في الجريدة الرسمية الجزائرية تتضمن أيضاً اتفاقية تعاون موقعة في التاريخ نفسه (15 يونيو 1972). وفي ديباجتها، ترد عبارة بالغة الدلالة: «الجزائر مالكة لمكمن غاراجبيلات الواقع على إقليمها والخاضع لسيادتها الكاملة» .
ثم تتحدث الاتفاقية عن إنشاء شركة مشتركة (S.A.M.) لتنظيم جوانب النقل والتسويق، وكانت الفكرة التاريخية تقوم على الاستفادة من قرب الأطلسي عبر ميناء مغربي. 

بالتالي، حتى من داخل منطق التعاون ذاته، لا توجد «مساواة في السيادة» على المنجم، بل ترتيب اقتصادي يضع الملكية والسيادة في جهة، ويبحث عن حلول لوجستية/تجارية مشتركة في جهة أخرى. 

7) لماذا لا تعني منازعة التعاون «إعادة فتح الحدود»؟ (قواعد قانون المعاهدات)

هنا تظهر أهمية التمييز بين معاهدة الحدود واتفاقية التعاون. فـاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات توضّح أن الإنهاء أو التعليق بسبب «انتهاك جوهري» ينطبق على المعاهدة محل النزاع وبشروط محددة، وليس آلية تلقائية تُسقط اتفاقاً آخر مختلف الموضوع.
كما تعالج قواعد فيينا (المادة 30) كيفية تطبيق المعاهدات المتعاقبة المتعلقة بالموضوع نفسه، دون إنشاء «إبطال متسلسل» بين أدوات مختلفة. 

النتيجة التحليلية: حتى لو ثار جدل حول تنفيذ اتفاقية تعاون، فهذا لا يكفي قانونياً لإسقاط اتفاقية الحدود، ما لم توجد بنود ربط صريحة أو توافق لاحق بين الطرفين على ذلك. 

8) قراءة جيو-اقتصادية: غارا جبيلات كأداة قوة وتنمية داخلية

غارا جبيلات ليس مشروعاً «منجمياً» فحسب، بل أداة قوة بثلاثة أبعاد:

  1. أمن الإمدادات الصناعية: دعم سلسلة الحديد والصلب وتقليل هشاشة المدخلات. 
  2. إعادة رسم جغرافيا التنمية: ربط بشار–تندوف–غارا جبيلات يخلق محوراً اقتصادياً جديداً في الجنوب الغربي ويعزز فك العزلة. 
  3. دبلوماسية اقتصادية: شراكات البنية التحتية (خصوصاً مع الصين) تجعل المشروع جزءاً من شبكات أوسع للتجارة والاستثمار. 

خاتمة: مشروعٌ صناعي… وجدالٌ سردي… ونصوصٌ مكتوبة

أول شحنة متجهة إلى وهران تُعلن بداية مرحلة جديدة: تحويل خامٍ صحراوي إلى مدخل صناعي ضمن مشروع وطني لتنويع الاقتصاد وبناء سلسلة قيمة خارج المحروقات.
أما الضجيج السردي الإقليمي، فمهما ارتفع، يبقى محكوماً بنصوص منشورة: اتفاقية الحدود (1972) تربط الحدود بباطن الأرض، واتفاقية التعاون في ديباجتها تُقر بملكية الجزائر للمنجم وسيادتها عليه.
ويبقى معيار النجاح الحقيقي ليس في المعركة الإعلامية بل في ثلاثية التنفيذ: التقنية (نزع الفوسفور)، اللوجستيك (سكة بقدرة نقل كبيرة)، والسوق (تحويل محلي وتصدير تنافسي)


بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...