التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة تشكل السلطة بالعنف في طرابلس: تشريح لانهيار سياسي في ليبيا

بعد أربعة عشر عامًا من سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا غارقة في حالة من التشرذم السياسي المزمن. فعوضًا عن استعادة الاستقرار المؤسسي، بقيت البلاد تحت حكم منطق الميليشيات، والزبونية المحلية، والتدخلات الخارجية. لقد أصبح الصراع الليبي بنية قائمة في ذاته، حوّلت طرابلس إلى مسرح دائم لصراعات النفوذ. وتُظهر الأحداث الأخيرة التي وقعت في أيار/مايو 2025 هشاشة التوازن السياسي-العسكري في العاصمة، وذلك من خلال اغتيال زعيم الميليشيا النافذ عبد الغني الككلي، الملقب بـ”غنيوة”، وما ترتب عن ذلك من تداعيات متسلسلة.


1. حكم ميليشيوي متجذّر في انهيار الدولة

منذ عام 2011، لم تعد ليبيا تمتلك دولة بمفهومها المؤسسي. فالمؤسسات العامة ضعيفة أو غائبة، والسيادة الوطنية موزعة بين مجموعات مسلحة. في طرابلس، اعتمد النظام الأمني منذ سنوات على نوع من التعايش الضمني بين الفصائل الميليشياوية، التي يرتكز نفوذها أكثر على القوة والتهديد منه على الشرعية أو القانون. وقد سمح هذا النموذج، القائم على التسامح المتبادل بين “أمراء الحرب”، بالحفاظ على استقرار شكلي، لكنه كان على حساب الجمود السياسي.

2. غنيوة: مسار ميليشياوي نحو دولة موازية

يجسد عبد الغني الككلي مثالاً صارخًا على تداخل السلطة الميليشياوية مع الدولة الرسمية. فبعد أن كان سجينًا سابقًا، أصبح على رأس “هيئة دعم الاستقرار” (SSA) أحد أعمدة السيطرة الأمنية في طرابلس. وكانت ميليشياته، التي تضم آلاف المقاتلين، تدير فعليًا حي أبوسليم الاستراتيجي، بسلطة شبه سيادية، تشمل سجنًا خاصًا، وقوانين ذاتية، وشبكات نفوذ مستقلة.

هذا النفوذ لم يكن ممكنًا دون علاقة وظيفية مع الدولة الرسمية. فقد أسّست الحكومات المتعاقبة، وعلى رأسها حكومة عبد الحميد الدبيبة، علاقة تبادلية معه: مقابل الولاء السياسي، حصل غنيوة على مناصب حساسة في أجهزة الأمن والهجرة، مما عزّز سلطته العسكرية ومصالحه الاقتصادية في آن.

3. القطيعة: عملية عسكرية وتداعياتها

مثّل يوم 12 أيار/مايو 2025 نقطة تحول حاسمة، حيث شنّت الكتيبة 444، بدعم من الدبيبة، عملية عسكرية خاطفة استهدفت تحييد غنيوة والسيطرة على أبوسليم. وقد نجحت العملية في تصفية زعيم الميليشيا، مما أدى إلى تفكك سريع لشبكته. غير أن هذه الخطوة لم تؤدّ إلى الاستقرار، بل فجّرت تصعيدًا حادًا.

فقد رأت الفصائل المسلحة من مصراتة والزاوية والزنتان، والتي تم تهميشها أو استُبعدت من هذه العملية، أنها محاولة لإعادة تشكيل التوازنات داخل العاصمة بشكل أحادي. فتوالت التعبئات العسكرية الإقليمية، مهددة بتحول الصراع إلى حرب مدن جديدة. وانتشر الفوضى: اشتباكات في الشوارع، إغلاق المدارس والمحلات، وشلل في الحياة المدنية.

4. سلطة في موقع دفاعي: حدود الرهان الأمني

يبدو أن حكومة الدبيبة اختارت رهانًا محفوفًا بالمخاطر: القضاء على شخصية ميليشياوية مزعجة لتعود لاعبًا أساسيًا في المشهد السياسي. لكن هذا الرهان اصطدم بتعقيد التوازنات الليبية. فالنتائج السياسية المتوقعة من العملية ووجهت بإعادة تشكل غير متوقعة في التحالفات الميدانية. لقد أصبح الفراغ السياسي واضحًا: الحكومة لم تعد تحكم، بل تدافع عن وجودها.

5. شبح إعادة التشكل العنيف على المستوى الوطني

لا تقتصر تداعيات الأزمة على طرابلس فحسب، بل تعكس إعادة تشكيل أوسع للمجال السياسي والعسكري على المستوى الوطني. فقد فتح سقوط غنيوة المجال أمام عدة فاعلين لإعادة التموضع في أفق تشكيل حكومة جديدة، كما تأمل الأطراف الدولية. ويكشف هذا الظرف عن الانقسامات العميقة بين الثوار السابقين، وميليشيات الأمس التي أصبحت نخبًا اقتصادية، والهياكل القبلية في غرب البلاد.

6. مشهد إقليمي مترقب: جمود استراتيجي أم إعادة تموضع؟

بينما تترنح طرابلس، تراقب المنطقة الشرقية المشهد عن كثب. المشير خليفة حفتر لم يتدخل مباشرة، لكن وحدات موالية له تتحرك بصمت نحو العاصمة. هذا التموضع الحذر قد يسمح له بالظهور كخيار “عقلاني” في حال تصاعدت الفوضى. في المقابل، تبدو تركيا، الحليف التقليدي للدبيبة، في وضع مرتبك، إذ أن علاقتها ببعض الفصائل المستهدفة تعقّد موقفها. وإذا ما قررت أنقرة سحب دعمها، فإن ذلك قد يسرّع انهيار الحكومة المركزية.

7. خاتمة: نهاية دورة سياسية

ما ينهار اليوم في طرابلس ليس مجرد زعيم ميليشياوي أو حكومة هشة، بل نموذج كامل لإدارة السلطة قائم على العنف المُدار والريع المُوزع. هذا النموذج، الذي تم التساهل معه دوليًا في غياب بدائل، بلغ حده الأقصى. لم تعد القواعد الضمنية التي تنظم التعايش المسلح صالحة.


يدرك المواطن الليبي هذا الواقع، ولم يعد يتوهم بشأن جدية الوعود الانتخابية المتكررة منذ أكثر من عقد. البلاد تقف أمام مفترق طرق: إما انتقال منضبط نحو توازن جديد — عبر أدوات سياسية أو عسكرية — أو الدخول في مرحلة جديدة من التفكك الوطني.


الجدول الزمني للأحداث (أيار/مايو 2025)


• 12 أيار: اغتيال غنيوة على يد الكتيبة 444. اندلاع الاشتباكات في طرابلس. الحكومة تدعو المدنيين للبقاء في منازلهم.

• 13 أيار: تعبئة ميليشيات مصراتة ومناطق أخرى. إغلاق الأسواق والمدارس. تعديل حكومي جزئي.

• 14 أيار: إعلان وقف إطلاق نار. تراجع القتال مع استمرار التوترات.

• 15 أيار: استئناف الاشتباكات. الهلال الأحمر الليبي ينتشل جثثًا من الشوارع.

• 16 أيار: هدوء نسبي دون مؤشرات على استقرار دائم.



✍️ بلقاسم مرباح



المصدر:


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...