التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجزائر والمغرب: وهم الوساطة وصلابة السيادة

صرّح رجل الأعمال الأمريكي ستيف ويتكوف مؤخرًا في مقابلة مع برنامج 60 Minutes Overtime أنه يعمل على ما يُسمى "اتفاق سلام" بين المغرب والجزائر، مدّعيًا أن الاتفاق يمكن أن يُبرم خلال 60 يومًا. إلى جانبه، يبرز جاريد كوشنر، المروّج للأجندة الإسرائيلية-المغربية، كوسيط. بالنسبة للجزائر، هذه المبادرة لا تعدو أن تكون وهمًا كاملًا.

I. المغرب: جار ضعيف وعدائي

منذ الاستقلال، تبنّى المغرب موقفًا عدائيًا وانتهازيًا تجاه الجزائر:

  • حرب الرمال عام 1963،
  • قطع خط أنابيب الغاز المغاربي-الأوروبي بشكل أحادي،
  • التدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية، بما في ذلك دعم الجماعات الإرهابية.

اليوم، بدأت استراتيجية الجزائر لعزل المغرب تؤتي ثمارها. المملكة تواجه أزمة اجتماعية غير مسبوقة، وديونًا عامة متفاقمة، واقتصادًا على حافة الانهيار. في ظل هذه الظروف، لا مصلحة للجزائر في الدخول في حوار أو وساطة لا تخدم إلا الرباط وحلفاءها الأجانب.

II. دمى صهيونية وأوهامها

قد يعلن ويتكوف وكوشنر عن مفاوضات خلال 60 يومًا، لكن طموحاتهما تخدم المصالح الإسرائيلية-المغربية، وليس الجزائرية.

هؤلاء الوسطاء المزعومون:

  • يتجاهلون الحقائق التاريخية والجيوسياسية للمنطقة،
  • يستهينون بيقظة الدولة الجزائرية،
  • يحاولون فرض جدول زمني لا يتماشى مع أولويات الجزائر ولا مع سيادتها.

الجزائر لم تكن، وليست، ولن تكون طرفًا في اتفاق ثنائي يُصاغ في صالونات تل أبيب أو نيويورك. دبلوماسيتها تستند إلى منطق الدولة واحترام المبادئ الدولية.

III. قضية الصحراء الغربية: حق الشعوب لا صفقة ثنائية

الصحراء الغربية ليست نزاعًا جزائريًا-مغربيًا. إنها إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي مُدرج لدى الأمم المتحدة، وشعبه ينتظر ممارسة حقه في تقرير المصير.

الجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتطالب بتنظيم استفتاء حر ونزيه تحت إشراف دولي. لا يمكن لأي جدول زمني مفروض من وسطاء أجانب أن يغيّر هذا المبدأ الأساسي.

IV. لماذا لا مصلحة للجزائر في استئناف الحوار مع الرباط

المغرب اليوم:

  • ضعيف اقتصاديًا، مع ديون عامة متزايدة واقتصاد هش،
  • في أزمة اجتماعية، مع توترات داخلية كبيرة،
  • يعتمد على دعم خارجي، غير قادر على الدفاع عن طموحاته دون وسطاء أجانب.

أمام جار منهار أخلاقيًا واقتصاديًا وسياسيًا، من مصلحة الجزائر الحفاظ على موقفها الحازم. استئناف العلاقات الدبلوماسية سيكون تنازلًا غير ضروري وخطيرًا، يمنح الشرعية لنظام لا يحترم السيادة الجزائرية.

V. عملية تأثير منسقة تحت غطاء الوساطة

تصريح ويتكوف يأتي في إطار عملية تأثير واسعة منسقة بين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا داخل مجلس الأمن. هذه القوى تسعى إلى:

  • شرعنة احتلال الصحراء الغربية،
  • تصوير القضية الصحراوية على أنها مجرد خلاف جزائري-مغربي،
  • اقتراح "حكم ذاتي" للشعب الصحراوي دون استشارته.

فرنسا، صاحبة "خطة الحكم الذاتي المغربية"، تعمل على تفصيلها وفق نموذج كاليدونيا الجديدة. بريطانيا، التي دافعت سابقًا عن حق تقرير المصير، أصبحت أسيرة لتناقضاتها التاريخية. جبل طارق، أرض إسبانية تاريخيًا ومُدرجة لدى الأمم المتحدة منذ 1946 كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، يجب أن يستفيد من هذا التحول في العقيدة البريطانية.

أما الولايات المتحدة، فقد وضعت كل ثقلها لتنظيم عملية تهدف إلى:

  • تحويل القضية الصحراوية إلى خلاف جزائري-مغربي،
  • شرعنة الاحتلال المغربي،
  • دعم استقرار حليفها المغربي،
  • اقتراح "حكم ذاتي" أو تقسيم للأراضي الصحراوية دون الرجوع إلى الشعب.

كما تسعى واشنطن إلى تعزيز وجودها في منطقة الساحل، التي تعاني من انعدام القانون وعدم الاستقرار، وتشكل تهديدًا إرهابيًا حقيقيًا، في ظل توسع النفوذ الروسي والصيني في إفريقيا.

VI. خاتمة: الجزائر دولة ذات سيادة وصلابة

الجزائر لا تساوم على سيادتها ولا على سيادة الشعوب الأخرى. تمتلك:

  • جيشًا قويًا،
  • شبابًا ملتزمًا،
  • دبلوماسية استراتيجية،
  • سيادة لا جدال فيها.

الوسطاء الأجانب وأوهامهم لا يمكن أن تحجب الحقيقة: بدون مفاوضات مباشرة وغير مشروطة تحت رعاية الأمم المتحدة بين المغرب وجبهة البوليساريو، لا يمكن التوصل إلى حل عادل ودائم ونهائي للقضية الصحراوية.

التاريخ يقف إلى جانب الأمم الكريمة، لا إلى جانب الأنظمة الإقطاعية المنهارة ولا الدمى الصهيونية التي تدعمها.




✍️ بلقاسم مرباح

وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...